ولنا أن نسأل: هل حقًّا، أنّ هذا القاتل لم يعمل خيرًا قط؟ فإنْ كان الجواب: إنّه لم يعمل، فهو خطأٌ ظاهرٌ جدًا، وإلا، فلماذا تجشَّم مشقّة السفر والانتقال؟ وهل كان في نيَّته إلا التوبة؟ وهذا ما صرَّح به الحديث، وهل التوبة إلا من خير الأعمال، التي تنشأُ أعمالٌ صالحة كثيرة منها؟ وهل يكون من توبة القاتل، إلا أن يكفّ يده عن البطش بأرواح الناس، وفي هذا إحياءٌ للأنفس التي كان سيأتي عليها، لو لم يتبْ من هذه المعصية العظيمة، إزهاق الأرواح بغير وجه حق؟ فهو إذًا بتوبته قد عمل خيرًا كثيرًا، وهو إحياءُ أنفسٍ كثيرة، لذا؛ فقد وفَّقه اللَّه للخروج من دار إقامته، وسار في الأرض يبحث عما وعمَّن يعينه في توبته، وهل كان يعجزه أن يبقى لابثًا في داره، يرقب رحمة ربّه وهو عازم بقلبه على التوبة، وتكون نيّته الحاضرة بالتوبة، تغنيه عن الضرب في الأرض، فلو أتاه الموت لأتاه على عزمةٍ واثبةٍ بنيَّةٍ صادقةٍ في التوبة، وهي أجلُّ عمل، فكيف وقد أتاه الموت وهو يسعى بمثل هذه النيّة في شعاب الأرض، باحثًا عمَّن يمسك بعضده إلى مثل ما يسعى إليه، فهل لا يكون لهذه الخطى التي كانت تحمله في بَحثه الحثيث المتواصل ما يُسمَّى من عملٍ صالح؟! وهنا يأتي سُؤالٌ آخر، وهو: لماذا قالت ملائكة العذاب قولها هذا الذي وصفته به لتحوزه به إليها، وتمنع منه ملائكة الرحمة: إنّه لم يعمل خيرًا قط؟!، وأين هذه الخطى، وهذا البحث عن مكان وعن جماعةٍ تعينه على التوبة؟ وأين هذه النيَّة، العارمة، العازمة، في صدره؟ أليس هذا كلّه عملًا صالحًا؟! فيُقال حينئذٍ في الجواب عن هذا السؤال:
المعنى المراد غير المعنى الظّاهر المتبادر