الصفحة 38 من 91

وربّما يقول القائل: إنّك تكفِّر بكلِّ هذه المعاصي إذًا· ويضيف إلى ذلك: وهل غاب عن نافع رضي اللَّه عنه أن يفرِّق للسّائل بين مَن يترك الصلاة جحودًا، ويشرب الخمر أو ينكح أمَّه استحلالًا، وبين من يترك صلاته كسلًا أو يشرب الخمر أو ينكح أمّه من نشوةٍ وتلذُّذًا، ولا يخطر بباله قطُّ أمرُ الكفر، فيقول: مَن أتى شيئًا على الوصف الأوَّل فهو الكافر، الخالدُ في نار جهنَّم، ومن أتى شيئًا على الوجه الثاني فهو العاصي المؤمن، الذي قد يمسُّه العذاب، ثمّ هو من الناجين أخيرًا، فهذا التشقيق بين العمل الواحد، بحيث يجعل العمل الواحد اثنين، والعمل السَّيِّئ منه صالح وسَيِّئ، هو من صنيع أهل الفسوق والعصيان أوّلًا، ثم هو يفتح الباب أمام البدعة، فيأْتي البعضُ ليدخل منه ببدعته، التي يجعل بها العمل السَّيِّئ على وجهين، وجه يكفِّر صاحبه ، والآخر لا يكفِّره·

أحقُّ الكفر بالكفر

وهذا ما صار إليه أولئك الأشرار، المفرِّقون بين مَن يصلح له أن يُكفَّر، وبين غيره، لأنَّ المصلحة الشرعية تَفْرِضُ مثلَ هذا، وإلا فما معنى أن يكفَّر، لأنّه حقيقٌ بأن يكفَّر، ثم يمنَّ على مَن هو من مثله، في كلِّ ما يلزمه إلى مواقعة الكفر، ويهديه إليه، بل هو الأحقّ بالكفر؛ لأنّه يقدر على الكفِّ عنه، وصدِّ من يخالطه اختيار، إذ له من السّلطان ما يقوى به على ذلك، وإن اجتمع به كلُّ فسادٍ في دنيا النّاس، فيكون في الأُمة من لديه مِن قوة الرّدع وزجر ما يستعصي على العامّة منعه وبخاصة مِن بعد شيوعه واعتياده، ثمّ لا يكون منهم إلا الرّضا به، والتحريض عليه، وتشجيع أهل السّوء أن يتّخذوا إليه من الأسباب والدَّواعي ما يزيد من عرامته وتثبيت شوكته·

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت