فهرس الكتاب
إنّ قماءَة الفقه، وإتيانَ العلم من غير بابه، والتسوُّرَ عليه من فوق خوخته، يسرع بالقاعدين عن عزائم الأُمور إلى امتهان الجهل، والانتهاء بهم إلى غسالات الأفكار الخرِبة الكاسدة، والتمرُّغ في سِباطات المذاهب الباطلة، والنِّحَل الخبيثة، ولم يُؤْتَ المسلمون بعامّةٍ بشرٍّ بمثل ما أُتوا من هذا الباب، ولم يكن أشدَّ على واحدٍ من أهل العلم أن يقوِّم مُعوجًّا، أو يرسل جاثيًا، أو يستر سوءَةً، أو يُنهض عاثرًا من أن يأتي إلى كومةٍ من أخلاط المذاهب الباطلة، والنِّحَلِ الخبيثة، ليستخلص منها حُجّةً ـ ولو كانت ظنيّة الأثر حين تظهر ـ فيدفع بها شيئًا من الفساد، ويكون بها عونًا للحقّ والصواب، فإذا ما أُضيف إلى هذا كلِّه التفوُّق العلميّ الصناعي، الذي يشهده العالمُ اليوم؛ علمنا أين نقف، ومتى يمكننا أن ندرك النهاية التي لا تُعرف معها البداية، لنصيبها أو شيئًا منها، ونكون على يقين أنّنا سوف نقيم الحجّة على أنفسنا بما عندنا من حضارة العالم ومدنيّته، وأنّ ما أمسكنا به ليس هباءً منثورًا، ولا هواءً مذعورًا، بل إنّه شيءٌ محسوسٌ، أفضلَ اللَّهُ به علينا، لأنّه عَلِمَ منّا أنّنا أعتدنا لأنفسنا الأسباب الصحيحة الكافية، نضع بها ما نريد ونرفع، فيكون لنا الحِوَلُ عن الحالِ التي لا ينبغي للأُمة إلا التخلِّي والبُعد عنها، وما أنعم اللَّه به علينا من نعمة الإسلام كافٍ في إعلام شعوب الأرض، أنّنا نحن خير أُمة، حتى وإن بقينا على الحال الأُولى في عيش الحياة، شدّته ورخائه، فإنّ اللَّه سبحانه يريد منا أن نكون على حالٍ نسعدُ بها، وتسعد هي بنا، فنحقّق في أنفسنا ـ بما نعلم من حالنا الخافية، وفي واقعنا، بما هو ظاهر معلنٌ منا ـ أنّنا بحقٍّ خير أُمّة، ولا نثبت على هذه الخيريّة، بل ولا يقيمنا عليها إلا الفقه الأمين الصّحيح، وبه ندلف إلى الإجابة عن سؤالنا في المسألة الثانية في غير تكلُّفٍ، ولا امتراءٍ، لأنّ له من الوضوح ما