فهرس الكتاب
ثمّ إنّ الإخلاص الذي ينجو به بالشفاعة؛ يقتضي حتمًا ولا بدَّ صواب ذلك العمل الذي أمره اللَّه به، فعلًا وتركًا، فإن كان منه مخالفة عن هذا الأمر، فإنّها لا تنفي عنه الإخلاص، فما كان منه إلا المخالفة، يبيِّن هذا ويوضّحه قوله عليه الصلاة والسلام: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن··· الحديث) ، فمعناه واللَّه أعلم، أنّ واحدًا من شطري الإيمان تخلَّف عن الآخر، إذ كان لا بدَّ أن يكون في حساب الزاني الكفُّ عن مخالطة هذه الفاحشة، لأنّ اللَّه نهى عنها بقوله: (( ولا تقربوا الزّنا ) )، وليس من شيءٍ يَحمل المخاطب المكلَّفَ على الاستجابة، إلا دينونته للَّه سبحانه بهذا الخطاب التّكليفي، فهو قد صدَّق اللَّه به، وحقّق في قلبه الاستسلام له، فإن كان منه مجانبة لهذا الفعل القبيح، فقد حقّق شطري الإيمان معًا، وإن كان حقّق واحدًا دون الآخر، فهو الذي عناه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بقوله: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) ، لكنّ فرقًا بيِّنًا، بين تركٍ من غير تصديق، وبين تركٍ مع التّصديق، فالأوّل هو من رجحَتْ كفة الكفر فيه، والثّاني شالت كِفَّةُ الكفر فيه، فهو ـ أي الثاني ـ استحقّ الشّفاعة، لأنّه قد عمل خيرًا، وهو الشّطر الأول من الإيمان، وهو العمل القلبي الذي أنجاه من النّار، فلا يُقال فيه: إنّه لم يعمل خيرًا قطُّ، فهو إذًا آخذٌ بحظٍّ من الخير يقتضيه العمل القلبيّ بتصديق المقتضي وهو كلمة التوحيد، فالإخلاص هو الأثر الإيجابي الفاعل المؤثِّر بإيجاد الأثر الظاهر ولا بدَّ، ولكنّه يخفى على النّاس، فهو ـ ولربّما على قلّته ـ ليس يظهر ليُعْلَمَ في النّاس، فهو إذًا من هذه الجهة يمكن القول فيه: إنّ فاعله هذا لم يعمل من خيرٍ قطّ، هذا تأويل وهو حسن مقبول ولا ريب·
المسلم الجاهل العاصي