فهرس الكتاب
وتأْويلٌ آخر: أنّ هذا القائل كلمة التوحيد، لم يُحِطْ علمًا بمقتضاها الصّحيح، فهو لجهله، ولربّما أيضًا لانغماسه في الشّهوات ومخالطته المنكرات، فكان جهله وكثرة معاصيه وشهواته، قد اجتالته هذه جميعًا، عن إقامة الأوامر والطاعات على مقتضى وجه الحقّ والصواب الذي يمضي العمل الصّالح على استقامته وصوابه، ومقصده السّليم، فيكون قد أبقى لنفسه من صالح عمله قول: (لا إله إلا اللَّه) على الإخلاص والصّدق فيه، فتكون هي وحدها كافيةً في إحرازه النجاة من النّار بشفاعته صلَّى اللَّه عليه وسلَّم (1) ، ويكون هذه مشبّهًا بل مماثلًا تمام المماثلة، من أسلم ومات من قبل أن يعمل عملًا صالحًا، وهذا قد كان، كذلك اليهودي الذي أسلم واستشهد في أُحد، وكذلك الذي نطقَ بالشّهادة من قبل أن يناله سيف زيد فيقتله، وفضل اللَّه واسع ورحمته لا حدَّ لها· ولا يبعُد عن مثل هذه المثليّة، ما كان من ذاك الرّجل الذي أوصى بنيه من بعد أن يموت أن يحرّقوا جسدَه ويذْروه في البحر، وعلَّل وصيته بقوله: (فإنّي أخشى إن قَدِرَ عليَّ ربي أن يعذبني) ، وأمثال هذه الواقعة، مما علمنا من كتب السُّنَّة، مما نعلم به، ويؤكِّدُ أن كلمة الشّهادة وحدها لا تحجز النار عن قائلها، ولا توجب له الشّفاعة التي مَنَّ اللَّه بها على الأُمَّة بنبيِّها صلوات اللَّه عليه وسلامه· ومما ذكرنا يتبيَّن لنا، أنّ هذه الشفاعة، لا تكون إلا لواحدٍ جاءَ ـ إلى جانب التصديق والإخلاص بالشّهادة ـ بأعمال من مقتضاها، وجماعها في مثل قوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم: (الإيمان بضعٌ وسبعون شُعبة، أعلاها لا إله إلا اللَّه، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياءُ شُعبةٌ من
(1) فهذا بجهله ومعاصيه لم يأْتِ من عملٍ صالح يكفّ عن وجهه سوءَ العذاب، ولربَّما عمل صالحًا، لكنّه أخلَّ به بوجهٍ من وجوه الإخلال ـ علم ذلك أم لم يعلم ـ فأخرجه من ميزان القبول الذي ينفعه به يوم العرض على اللَّه تعالى .