ونبدأ بالتشريعات، ومعروف أن النصرانية تخلو تماما من أى شىء يتعلق بتنظيم المجتمع أو الدولة: سواء في مجال السياسة والحكومة، أو الاقتصاد والعمل والإنتاج والصناعات والحرف والبيع والشراء والربا، أو العلاقات التى تربط أفراد الأسر والأقارب والجيران بعضهم ببعض، أو الحروب والمبادئ التى ينبغى الالتزام بها أثناءها. ذلك أن النصرانية ليست سوى طائفة من النصائح الأخلاقية المغرقة في المثالية الساذجة التى تتأبى على التطبيق مهما كانت رغبة الشخص أو المجتمع في ذلك لأنها تدابر الفطرة البشرية وتفترض في الناس أنهم مجموعة من الملائكة الأطهار الأبرار، أو من ألواح الثلج، فهم لا يحسون ولا يغضبون ولا يتألمون ولا يقلقون على شىء ولا يرون له قيمة، ومن ثم لا يثورون ولا يتمردون على أية إهانة أو إذلال. وبطبيعة الحال فإن الناس ليسوا كذلك ولا يمكن أن يكونوا كذلك، ولهذا كان لا بد من تشريعات تنظم أمورهم في مجالات الحياة المختلفة، وهو ما قام به الإسلام على خير وجه، وراعى فيه إقامة توازن عبقرى بين واقعية القوانين ومناسبتها للطبيعة الإنسانية مع العمل في ذات الوقت على السموّ بتلك الطبيعة إلى أقصى ما يمكنها بلوغه من درجات الرقى والسموق رغم ذلك. وعلى ذلك فمن الظلم وضع الإسلام موضع المقارنة مع النصرانية، إذ لا تستطيع هذه الديانة الأخيرة أن تصمد لحظة من نهار أو ليل لتلك المقارنة إلا على سبيل المكابرة من جانب بعض الناس. وينبغى ألا ننس ما قاله المسيح عليه الصلاة والسلام من أن مملكته ليست من هذا العالم، وهى كلمة قاطعة الدلالة على أن النصرانية، حتى دون تحريف، لا تصلح للحياة الدنيا، فكيف تصح مقارنتها بالإسلام، فضلا عن تفضيلها عليه؟ إن هذا كلام لا يدخل العقل! وهنا ننتقل إلى المحور الثانى في المقارنة بين محمد والمسيح عليهما جميعا السلام، وهو محور القيم الحضارية.