فهرس الكتاب
  • 📄

  • 📄
الصفحة 191 من 240

وفوق ذلك فإنه لا يوجد ولم يوجد ولن يوجد في يوم من الأيام مجتمع بشرى يقوم على التسامح المطلق، وإلا فلنلغ الشرطة والقوانين والمحاكم والحكومات ونعيش كما يعيش الناس في الحدوتة التى كنت أسمعها وأنا طفل صغير والتى تقول إنه كان هناك أيام زمان بلاد لا يتعامل الناس فيها بالفلوس، بل كل من أراد شيئا فما عليه إلا أن يذهب إلى التاجر أو الصانع أو الزارع الذى عنده ذلك الشىء ويقول له: أعطنى كذ وكذا مما عندك"بالصلاةُ على النبى". فيعطيه ما يريد ويذهب هو بما أخذ دون أن يكلف نفسه بنطق كلمة"شكرا". فهل هذا معقول؟ إننا إنما نعيش في دنيا الواقع والحقائق لا في دنيا الحواديت، فلنأخذ بالنا حتى لا يضحك علينا الناس! ثم إنه إذا كان عيسى عليه السلام قد دعا إلى التسامح على هذا النحو فإنه، كما وضحنا من قبل ونكرره الآن، كان أول من خرج على ذلك الكلام ولم يلتزم به قط، وإلا فمن الذى كان يلعن بنى إسرائيل لا يكف لسانه عنهم أبدا ويصفهم بـ"المرائين"و"قتلة الأنبياء وراجمى المرسلين"و"أولاد الأفاعى"و"خراف بنى إسرائيل الضالة"و"فاعلى الإثم"و"الشعب الصُّلْب الرقبة"و"الجيل الشرير"و"لصوص المغارة"؟ أليس هو عيسى عليه السلام حسبما نقرأ في الأناجيل في كل مناسبة وفى كل غير مناسبة حتى إننا لنظن أنه لم يكن يعرف هدوء الأعصاب، ولا لسانُه التوقفَ والسكينةَ، وأن الداعى إلى التسامح شخص آخر غيره، بل شخص يعاديه ويجرى على نقيض سنّته. بل إنه لم يُعْفِ تلامذته أنفسهم من سوط لسانه، إذ اتهمهم بقلة الإيمان أكثر من مرة، وبالذات بطرس الذى تكرر إفراده له بذلك الاتهام. أما أمه فلا أذكر أنه وجه لها كلمة طيبة قط طوال وجوده على الأرض، بل كان خشنا فظا معها حتى إنه ذات مرة رد على من نبهوه إلى أنها تنتظره هى وإخوته خارج البيت الذى كان فيه، قائلا إن أمه وإخوته الحقيقيين هم من يؤمنون برسالته. فما معنى هذا؟ وهذا كله موجود في الأناجيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت