وحتى لو صدقنا أنه كان يتسامح فعلا كما كان يأمر غيره أن يفعل، فإن مدة التسامح والصبر لم تتجاوز ثلاثة أعوام، ثم ترك الدنيا ومضى إلى ربه.
أما محمد فإنه قد جرى على خطة الصبر والغفران لا أعواما ثلاثة فحسب، بل ثلاثة عشر عاما قبل أن يؤذن له بالقتال بعدما كانت كل فرص الصبر والعفو والتغاضى قد نَفِدَتْ كلها ولم تأت بنتيجة. ولا شك أن لكل شىء في دنيانا هذه من نهاية! فحبال الصبر لا يمكن أن تمتد إلى الأبد إلا إذا كنا نعيش في غير دنيا البشر! ثم هاتوا لى إنسانا واحدا أضربه على خده الأيمن فيدير لى خده الأيسر، وألعنه فيباركنى حسبما توصى الأناجيل! هذا أمر مستحيلٌ استحالةَ طلوع الشمس من مغربها، وتلك الاستحالة أمر طبيعى تماما، فهكذا طُبِع الناس منذ الأزل حتى الأبد. كما أن الحياة لا تستقيم بالتسامح المطلق الدائم،"ولولا دَفْعُ اللهِ الناسَ بعضَهم ببعضٍ لفسدت الأرض"كما جاء في القرآن المجيد، إذ لا يَفُلّ الحديدَ إلا الحديد! والبشر كلهم يعرفون ذلك أكثر مما يعرفون أبناءهم، وإن فريقا من المخادعين ليكتمون الحقيقة عامدين متعمدين. والمسيح عليه السلام هو نفسه القائل إنه ما جاء ليلقى سلاما بل سيفا، وإنه سيكون سببا في انقسام البيت الواحد على نفسه، بما يدل أقوى دلالة وأجلاها على أن خطة التسامح لا يمكن أن تكون مطلقة مفتحة الأبواب على الدوام، وأن الاصطدام قادم قادم مع استمرار العنت والاضطهاد والعدوان من جانب الخصوم، وإلا فالعفاء على كل شىء وكل أحد! ومن ناحية أخرى فقد سمعنا الرسول الكريم يدعو لقومه في عز اضطهادهم له ولأتباعه قائلا: رب، اغفر لقومى، فإنهم لا يعلمون!