ومن المضحك أن يقول الواعظ الذكى إن"المسيح لم يلعن أعداءه، ولم يتصرف كجبار شقي، بل أظهر نفسه أنه ينبوع اللُّطف ومصدر المحبة والرحمة"، إذ الأناجيل إنما تقول لنا شيئا مخالفا لهذا الذى يقوله واعظنا. فالمسيح، بحسب تلك الأناجيل، لم يكن يلعن أعداءه فقط، بل كان يلعن أصدقاءه أيضا، وكذلك المدن والأشجار فوق البيعة. وإلى القارئ طائفة من تلك اللعنات والشتائم التى كان يسوط بها الظهور والوجوه والأقفاء والجُنُوب بحيث لا يترك موضعا دون أن يجود عليه بنصيب: فمن ذلك رده على أب استغاث به ليعالج ابنه الذى يصيبه الصَّرْع ويرهقه قائلا له في نفاد صبر وضجر:"أَيُّهَا الْجِيلُ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ وَالْمُلْتَوِي إِلَى مَتَى أَكُونُ مَعَكُمْ وَأَحْتَمِلُكُمْ؟". ومنه كذلك قوله للمرأة الفينيقية التى كانت ترجو شفاءه لابنتها:"دَعِي الْبَنِينَ أَوَّلًا يَشْبَعُونَ، لأَنَّهُ لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاَبِ". يقصد بالبنين بنى إسرائيل، وبالكلاب إياها وقومها وأمثالهم من الأمم الأخرى. وكان في مجمعٍ يهودىٍّ يوم سبت، وشفى امرأة من مرضها مما ساء رئيس المجمع لأنه رأى في هذا اعتداء في السبت، فما كان من عيسى بن مريم إلا أن سبه قائلا:"يَا مُرَائِي!". ودعاه أحد هؤلاء الفريسيين للطعام فلاحظ أنه، عليه السلام، لم يغسل يده وكلمه في ذلك، فما كان منه إلا أن نزل عليه بسوط لسانه يلهبه بكل ما عنده من عزم:"أَنْتُمُ الآنَ أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّونَ تُنَقُّونَ خَارِجَ الْكَأْسِ وَالْقَصْعَةِ، وَأَمَّا بَاطِنُكُمْ فَمَمْلُوءٌ اخْتِطَافًا وَخُبْثًا.يَا أَغْبِيَاءُ، أَلَيْسَ الَّذِي صَنَعَ الْخَارِجَ صَنَعَ الدَّاخِلَ أَيْضًا؟ بَلْ أَعْطُوا مَا عِنْدَكُمْ صَدَقَةً، فَهُوَذَا كُلُّ شَيْءٍ يَكُونُ نَقِيًّا لَكُمْ."