الشيخ محمد صالح المنجد
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد,,,
فإن الله سبحانه وتعالى قد خلق الشيطان ابتلاءً للعباد وأخبرنا بعداوته لنا وأمرنا بعداوته فقال: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} (فاطر: من الآية6) . وأوصى الأنبياء أولادهم بذلك فقال يعقوب لولده يوسف: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} (يوسف: من الآية5) . هذه العداوة التي بدأت منذ أن خلق الله سبحانه وتعالى آدم. وإبليس هو الشيطان، والشيطان كل عاتٍ متمردٍ من الإنس والجن. فأما الشيطان الأكبر وهو إبليس فإنه مشتقٌ من أبلس إذا أيأس لأن الله أيأسه من رحمته. وهذا الشيطان الأكبر ورأس الأبالسة من الجن كما قال الله: {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ} (الكهف: من الآية50) .
وهؤلاء الجن قيل أنهم كانوا في الأرض قبل الإنس. وكانوا يفسدون فيها ويسفكون الدماء. ولذلك لما خلق الله آدم وأخبر الملائكة أنه سيجعله خليفةً في الأرض {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} (البقرة: من الآية30) . وذلك لما رأوا من إفساد سكّان الأرض من قبل آدم. أو أنّ الله تعالى قد أطلعهم على ذلك. وقد جاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن بني الجان لما أفسدوا في الأرض بعث الله عليهم جنودًا من الملائكة فضربوهم حتى ألحقوهم بجزائر البحور. رواه الحاكم وصححه [1] . فصار إبليس مع الجن فقيل: إن الملائكة أسرته.
فلما صدر الأمر للملائكة وكان إبليس يسمع هذا الأمر بالسجود لآدم سجد الملائكة إلا إبليس. تعالى وتأبّى. واستكبر وعصى. ولذلك أخبرنا الله سبحانه وتعالى عن هذا الإباء والعناد بأنه كفرٌ. فقال إبليس متكبّرًا: {أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} (الاسراء: من الآية61) . واستعمل القياس الباطل عندما قال: {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} (لأعراف: من الآية12) . فأراد أن يتعالى بأصله، ومتى كان الأصل سببًا للاستعلاء؟ لا يرفع أحدًا عند الله إلا عمله. وهكذا عصى وتكبر بينما الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
وكان إبليس لعنه الله لما صوّر الله آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه. فجعل إبليس يطيف به فينظر. يطيف به ينظر ما هو. فلما رآه أجوف، أي له جوف، عرف أنه خُلِقَ خلقًا لا يتمالك. رواه مسلمٌ رحمه الله. قال أهل العلم: إن إبليس شغله التلبيس فأعرض عن الأمر بالسجود. وقال مفاضلًا بين الأصول: خلقتني من نارٍ
(1) ووافقه الذهبي ورجاله ثقات إلا أنه يحتمل أن يكون مأخوذًا عن أهل الكتاب