ليحضوا بالوصول إلى بيته ويتمتعوا بالتذلل له والانكسار له في مواضع النسك ويسألوه جميع ما يحتاجونه من أمور دينهم ودنياهم، فيجزل لهم من قراه ما لا يصفه الواصفون. وبذلك تتحقق محبتهم لله ويظهر صدقهم بإنفاق نفائس أموالهم، وبذل مهجهم في الوصول إليه، فإن أفضل ما بذلت فيه الأموال وأتعبت فيه الأبدان، وأعظمه فائدة وعائدة ما كان في هذا السبيل. وما توسل به إلى هذا العمل الجليل، ومع ذلك فقد وعدهم بإخلاف النفقات والحصول على الثواب الجزيل والعواقب الحميدة، ومن فوائد الحج أن فيه تذكرة لحال الأنبياء والمرسلين ومقامات الأصفياء المخلصين. كما قال تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [1] والصحيح في تفسيرها أن هذا عام في جميع مقاماته في الحج من الطواف وركعتيه والسعي والوقوف بالمشاعر ورمي الجمار والهدي وتوابع ذلك، ولهذا كان - صلى الله عليه وسلم - يقول في كل مشعر من مشاعر الحج: «خذوا عني مناسككم» [2] فهو تذكرة بحال إبراهيم الخليل والمصطفين من أهل بيته، وتذكير بحال سيد المرسلين وإمامهم ومقاماته في الحج التي هي أجل المقامات، وهذا التذكير أعلى أنواع التذكيرات، فإنه تذكير بأحوال عظماء الرسل إبراهيم ومحمد - صلى الله عليه وسلم - ومآثرهم الجليلة وتعبداتهم الجميلة، والمتذكر بذلك مؤمن بالرسل معظم لهم متأثر بمقاماتهم السامية مقتد بآثارهم الحميدة ذاكر لمناقبهم وفضائلهم فيزداد به العبد إيمانًا ويقينًا.
(1) سورة البقرة، الآية 125.
(2) رواه مسلم.