الصفحة 106 من 185

وقال أيضًا-رحمه الله-: (لم يكن لي مال، وكنت أطلب العلم في الحداثة) أي: في مستهل عمره، وكانت سنه أقل من ثلاث عشرة سنة- ( وكنت أذهب إلى الديوان أستوهبُ الظهور-أي: ظهورَ الأوراق المكتوب عليها- فأكتب فيها) [1] .

وقال أيضًا:(كنت وأنا في الكُتَّاب، أسمع المعلم يُلقن الصبيَّ، فأحفظ ما يقول. ولم يكن عند أمي ما تُعطي المعلم، وكنت يتيمًا، فكان المعلم يرضى مني بأن أخْلُفَه إذا قام، ولقد كانوا يكتبون، وقبل أن يفرغ المعلم من الإملاء-أكون-حفظت جميع ما كتبت، فقال لي ذات يوم: ما يحل لي أن آخذ منك.

ثم لما خرجت من الكتاب، كنت ألتقط الخَزَفَ وكَرَبَ النخل وأكتاف الجِمال، فأكتب فيها الحديث، وأجيء إلى الدواوين، فأستوهب الظهور وأكتب فيها، حتى ملأت فيها حبابًا [2] كانت لأمي من ذلك) [3] .

وقال سفيان الثوري-رحمه الله تعالى-: (لما أردت أن أطلب العلم قلت:(يا رب إنه لا بد لي من معيشة) ، ورأيت العلم يدرس، فقلت أفرغ نفسي لطلبه، قال: وسألت ربي الكفاية).

وعزم على طلب العلم حتى كفلت له والدته الإنفاق عليه، فقالت:"يا بني، اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي"، فأخذ يتلقى العلم عن شيوخه المتعددين، وعن كل من يحمل علمًا أو خبرًا. وكان كثير الاهتمام في طلب العلم.

ذكر أبو نعيم: أنه كان إذا لقي شيخًا سأله: (هل سمعت من العلم شيئًا؟) ، فإن قال: (لا) ، قال: (لا جزاك الله عن الإسلام خيرًا) . ومن مظاهر اهتمامه بالعلم، أنه كان يقول: (ينبغي للرجل أن يُكْرِهَ ولده على طلب الحديث، فإنه مسئول عنه) . ولم يمكن اهتمام سفيان بالعلم مقصورًا على طلبه، بل كان يعمل به، ويحرص على إشاعته بين الناس والدعوة إليه.

(1) -رواه الحافظ ابن عبد البر بسنده إلى الإمام الشافعي في (الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء) (ص:70) ، انظر: (صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل) (ص:173) .

(2) -الحباب: بكسر الحاء المهملة، جمعه (حُب) بضم الحاء المهملة، وهو الجرة الكبيرة الضخمة. وكانوا يضعون كتبهم في تلك الجرار الكبيرة حفظًا لها، وقد شهدتها في بعض القرى القديمة يخزن فيها الحبوب، وسعَة محيطها لا يكاد يُحيط بها ذراعَ رجلين متقابلين. ثم كانوا يحفظون فيها: الكتب والدفاتر والأوراق... ووقع في (المنهج الأحمد) و (تهذيب التهذيب) و (ترتيب المدارك) محرفًا إلى (جباب) بالجيم!! ويكثر وقوع هذا التحريف في هذا اللفظ: (حِباب) الذي هو بالحاء المهملة إلى (جِباب) بالجيم، لشهرة لفظة: (جُب) و (جِباب) بالجيم، وغموض لفظ: (حُب) و (حِبَاب) بالحاء، فاعلمه فإنه ينفعك إن شاء الله. انتهى من هامش: (صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل) (ص:173/179) .

(3) -انظر: (مناقب الشافعي) (2/95) للبيهقي، و (ترتيب المدارك) (3/175-ط: ما يسمى بالأوقاف المغربية!) ، و (1/383-ط: بيروت) ، و (معجم الأدباء) لياقوت (18/284-في ترجمة الإمام الشافعي، في ذكر: ابتداء طلبه وحفظه) انتهى من (صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل) (ص:173) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت