فهرس الكتاب
(اشتغل في بلاده، ومَهَر وتقدم في الفنون، وقدم دمشق بعد زيارة القدس في صفر سنة(725) ، فبهَرتْ أهلَها فضائلُه، وسمع كلامَه الشيخُ تقي الدين ابن تيمية، فبالغ في تعظيمه، وقال مرة: اسكتوا حتى نسمع كلام هذا الفاضل الذي ما دخل البلادَ مثلُه.
ثم انتقل إلى القاهرة، وفيها توفي. ومما يحكى عنه من حرصه على العلم وشُحه بضياع أوقاته، أن بعض أصحابه كان يذكر أنه كان يمتنع كثيرًا من الأكل، لئلا يحتاج إلى الشرب، فيحتاج إلى دخول الخلاء، فيضيع عليه الزمان) [1] .
قال أبو هلال العسكري في كتابه: (الحث على طلب العلم والاجتهاد في جمعه) : (كان الخليل ابن أحمد-الفراهيدي البصري-يقول: أثقل الساعات عليَّ: ساعةٌ آكل فيها) [2] .
وحكى الحافظ ابن في (ذيل طبقات الحنابلة) ، في ترجمة الإمام أبي الوفاء علي بن عقيل الحنبلي البغدادي، المقرئ، الأصولي، الواعظ، المتكلم، ذي العلوم والفنون، أحد الأعلام في الإسلام، ومن أفاضل العالَم، وأذكياء بني آدم، المولود سنة (431) ، والمتوفى سنة (513) ، تلميذ الحافظ البغدادي: (أنه كان يقول: إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حال راحتي، وأنا منطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره، وإني لأجد من حرصي على العلم وأنا في عشر الثمانين أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين سنة.
وأنا أقصر بغاية جهدي أوقات أكلي، حتى اختار سفَّ الكعك وتحسِّيه بالماء على الخبز، لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ، توفُّرًا على مطالعة، أو: تسطير فائدة لم أدركها فيه. وإنَّ أجَلَّ تحصيل عند العقلاء بإجماع العلماء هو الوقت، فهو غنيمة تُنتهَزُ فيها الفُرَص، فالتكاليف كثيرة، والأوقات خاطفة.
ثم قال الحافظ ابن رجب: وللإمام ابن عقيل تصانيف كثيرة في أنواع العلوم، نحوُ العشرين تصنيفًا، وأكبر تصانيفه كتاب"الفنون"وهو كتاب كبير جدًا، فيه فوائد كثيرة جليلة، في الوعظ، والتفسير، والفقه، وأصول الفقه، والنحو، واللغة، والتاريخ، والحكايات. وفيه مناظراته ومجالساته التي وقعت له، وخواطره ونتائج فكره، قيدها فيه.
(1) -انظر: (الدرر الكامنة) (6/85) ، و (البدر الطالع) (2/298) ، و (طبقات الشافعية الكبرى) (10/384) ، و (روضات الجنات) (8/128) ، و (الفتاوى الكبرى) (5/151) ، و (قيمة الزمن) (ص:78/79) .
(2) -انظر: (الحث على طلب العلم...) (ص:87) ، و (قيمة الزمن) (ص:28) .