الصفحة 111 من 185

قال الحافظ الذهبي: لم يُصَنَّف في الدنيا أكبر من هذا الكتاب، حدثني من رأى منه المجلَّد الفلانيَّ بعد الأربع مائة، قال الحافظ ابن رجب: وقال بعضهم: هو ثمانمائة مجلدة.

وهو القائل في فاتحة القسم الأول المطبوع [1] من كتاب"الفنون": أما بعد فإن خير ما قُطع به الوقت، وشُغِلَتْ به النفس، فتُقرِّب به إلى الرب جلت عظمتَه: طلبُ علم أخرج من ظلمة الجهل إلى نور الشرع، وذلك الذي شَغَلتُ به نفسي، وقطعتُ به وقتي.

فما أزال أعلق ما أستفيده من ألفاظ العلماء، ومن بطون الصحائف، ومن صيد الخواطر التي تنثرها المناظرات والمقابسات، في مجالس العلماء، ومجامع الفضلاء، طمعًا في أن يعلق بي طرف من الفضل، أبعُدُ به عن الجهل، لعلي أصل إلى بعض ما وصل إليه الرجال قبلي؟!

ولو لم يكن من فائدته عاجلًا إلا تنظيف الوقت عن الاشتغال برعونات الطباع، التي تنقطع بها أوقاتُ الرَّعَاع، لكفى، وعلى الله قصد السبيل، وهو حسبي ونعم الوكيل) [2] .

وكان عثمان الباقلاويُّ دائم الذكر لله تعالى، فقال: (إني وقت الإفطار أُحِسُّ بروحي كأنها تخرج! لأجل اشتغالي بالأكل عن الذكر) . وكان داود الطائي يَسْتَفُّ الفَتيت، ويقول: (بين سَفِّ الفتيت وأكل الخبز قراءةُ خمسين آية) .

وكثرة مؤلفات العلماء التي ملأت المكتبات الإسلامية تدل على حرصهم على وقتهم وساعة حياتهم-رحمهم الله-، ذكر شيخ شيوخنا العلامة الفقيه الأصولي الباحث محمد الحسن الحجوي الفاسي في كتابه العُجاب: (الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي) ، في (المكثرين من التأليف) : ابن جرير وابن الجوزي وغيرَهما، وأقطف من كلامه ما يلي:

(1) -والمطبوع منه قطعة صغيرة، طبعتها دار المشرق في بيروت، في مجلدين، في سنة (1970/ و1971) ، بتحقيق الدكتور: جورج المقدسي، انظر هامش: (قيمة الزمن) (ص:53/54) .

(2) -انظر: (ذيل طبقات الحنابلة) (1/142/162-وما بعدها) -وانظر قصة عبد الله بن المبارك العكبري الذي باع ملكًا له! واشترى بثمنه كتاب (الفنون) ، وكتاب (الفصول) ، ووقفهما على المسلمين في 1/185-و (المنتظم) لابن الجوزي (9/92/212/215) ، و (صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم) (ص:320/321) ، و (قيمة الزمن) (ص:53/54/55) . وقال ابن الجوزي: (ولما أدركت الوفاة الإمامَ أبا الوفاء ابن عقيل واحتُضر بكى النساء! فقال أبو الوفاء: قد وقَّعت عن الله خمسين سنة-يعني: أنه كان يوقع الفتاوى التي يبين فيها أحكام الله في الوقائع والحوادث التي تقع للناس، فكان يوقع نيابة عن الله تعالى-فدعوني أتهنأ بلقائه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت