فهرس الكتاب
(... أحرز الإمام ابن جرير الطبري قَصَبَ [1] السبق في التصنيف، كثرةً في إتقان، مع عموم النفع، وقد خلف في مصنفاته ما يقرب من ثلاث مائة ألف ورقة وخمسين ألف ورقة. وهذا أغنى التركات العلمية فيما بلغنا، فتبارك الله أحسن الخالقين.
فبذلك حاز المعلى والرقيب [2] ، فلم يكن أحد من المتقدمين يبلُغ مداه في الكثرة مع الإتقان وعموم النفع لوقتنا هذا، فلم يتفق هذا لغيره فيما أظن، فيصح أن يقال: إنه أعظم مؤلف في الإسلام.
وفي (الديباج المذهب) أن القاضي أبا بكر محمد بن الطيب الباقلاني، كان ورده كلَّ ليلة عشرين ترويحةً، ولا ينام حتى يكتب خمسًا وثلاثين ورقة من حفظه [3] .
(1) -القَصَب اسم جنس، والمراد به هنا القصب الفارغ الجوف، ذو الأنابيب والعُكُوب في ساقه، يُزرع في الأرض الكثيرة المياه على شُطوط الأنهار، والمفرد منه: (قَصَبَة) .وقالت العرب للسابق: أحرز قصب السبق، أو: أحرز القصب، أو: أحرز القصبة، وذلك أنهم كانوا ينصبون في حَلْبَة السباق قصبةً، فمن سبق إليها اقتلعها وأخذها، ليُعلم أنه السابق من غير نزاع. والفرس المبرِّز الذي يَسْبِق الخيل في الحلْبة، يقال له: المُقَصِّب كمحدِّث أي: السابق. ويقال للمراهن إذا فاز: أحرزَ قصب السبق أي: استولى على الأمَد والغاية. ويقال: إن الغاية التي يسبق إليها السابق، كانت تُذْرَعُ بالقَصَبَة، وتُركَزُ تلك القصبة عند منتهى الغاية، فمن سبق إليها حازها واستحق الخطر أي: الرهنَ والجُعْل المرصودَ للسابق. انظر: (قيمة الزمن) (ص:85) .
(2) -أي: حاز الفضل كله. والمُعلَّى والرقيب سهمان من سهام الميسر وقِداحه التي كانت عند العرب في الجاهلية، لهما نصيب وافر، فلذلك يضَرب بهما المثَل، فيقال لمن بلغ الغاية في الشيء: حاز المعلى والرقيب. انظر: (تاج العروس) (1/274-رقب) ، و (قيمة الزمن) (ص:85) .
(3) -وشيخ الإسلام ابن تيمية أمة وحده في التأليف كان يكتب في اليوم قدر ما يقرأه الإنسان في سبعة أيام وأكثر، ومات عن نحو خمسمائة مجلد تأليفًا، كان لا يمكن أن يُفَوِّتَ من وقته ساعةً دون تعليم أو: تأليفٍ أو: عبادةٍ، حتى بلغت مؤلفاته المئات، بل: لم يمكن حصرها للمتتبعين حتى ولا للشيخ نفسه-رحمه الله-. جاء في ترجمته عند ابن شاكر الكتبي في"فوات الوفيات" (1/38/42) :"إن تصانيفه تبلغ ثلاثمائة مجلد، قال الذهبي: وما يبعد أن تصانيفه إلى الآن تبلغ خمسمائة مجلد". وقد ألف تلميذه ابن القيم في أسماء كتبه رسالة، بلغت صفحاتها (22) صفحة، وذكر فيها ما يقارب (350-مؤلف) ، بين كتاب كبير ورسالة وقاعدة.-وطبعت هذه الرسالة بتحقيق الدكتور صلاح الدين المنجد، في المجمع العلمي بدمشق سنة (1380) ، ثم طبعها الدكتور في بيروت أكثر من مرة-وقال ابن القيم في (الوابل الصيب من الكَلِم الطيب) (ص:108) : (وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية، في سَنَنه، وكلامه، وإقدامه، وكتابته: أمرًا عجيبًا، فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة وأكثر-يعني في أسبوع وأكثر) . قال ابن رجب في (ذيل طبقات الحنابلة) (2/403) : (وأما تصانيفه فقد امتلأت بها الأمصار، وجاوزت حد الكثرة، فلا يمكن لأحد حصرها) . قال ابن القيم في (روضة المحبين) (ص:70) : (وحدثني شيخنا-ابن تيمية-قال ابتدأني مرض، فقال لي الطبيب: إن مطالعتك وكلامك في العلم يزيد المرض، فقلت له: لا أصبر على ذلك، وأنا أحاكمك إلى علمك، أليس النفس إذا فرحت وسُرَّت قويت الطبيعة، فدفَعَتْ المرضَ، فقال: بلى، فقلت له: فإن نفسي تُسَرُّ بالعلم، فتقوى به الطبيعة، فأجد راحةً، فقال: هذا خارج عن علاجنا) . انظر: (قيمة الزمن) (ص:77/78) .