الصفحة 116 من 185

قال: وحدثني المؤمَّل بن الحسن: (أنه رأى سُلَيْمًا حفِيَ [1] عليه القلم، فإلى أن قَطَّهُ [2] جعل يحرك شفتيه، فعلم أنه يقرأ بإزاء إصلاحه القلم، لئلا يمضي عليه زمانٌ وهو فارغ) ، أو كما قال: ووصف ابن ناصر الحافظ أبا الطاهر السلفي، فقال: (كأنه شعلة نار في التحصيل) [3] .

بل: إن أحدهم ليحزن، ويصيبه المرض إذا فاته شيء من العلم، فقد ذكروا لشعبة حديثًا لم يسمعه، فجعل يقول: (واحزناه!) ، وكان يقول: (إني لأذكر الحديث فيفوتني فأمرض) . وقيل للشعبي: (من أين لك هذا العلم كله؟) ، قال: (بنفي الاعتماد، والسير في البلاد، وصبر كصبر الحمار، وبكور كبكور الغراب) [4] .

وقال شعبة-رحمه الله تعالى-: (ما رأيت أحدًا قط يعدو إلا قلت: مجنون، أو: صاحب حديث) [5] .

وعن عبد الرحمن بن تيمية قال عن أبيه: (كان الجدُّ إذا دخل الخلاء يقول لي:(اقرأ في هذا الكتاب، وارفع صوتك حتى أسمع) .

وكان العلامة الكبير أبو المعالي محمود شكري الآلوسي البغدادي الحفيد، يمتاز بالجد الشديد والحرص على الوقت، فكان لا يثنيه عن دروسه حمَارَّةُ القيظ، ولا يؤخره عنها قَرص برد الشتاء، وكثيرًا ما تعرض تلاميذه-بسبب تأخِّره عن موعد الدرس-إلى النقد والتعنيف، قال عنه تلميذه العلامة الشيخ بهجة الأثري:(أذكر أنني انقطعت عن حضور درسه في يوم مزعج، شديد الريح، غزير المطر، كثير الوحل، ظنًّا مني أنه لا يحضر إلى المدرسة، فلما شَخَصتُ في اليوم الثاني إلى الدرس، صار ينشد بلهجة غضبان:

ولا خير فيمن عاقَهُ الحَرُّ والبردُ).

وجاء في (مقدمة الجرح والتعديل) (1/275) ، ما نصه: (قال أبو بكر بن أسلم بن سليمان: رحل أبي من نيسابور إلى مرو ليكتب عن ابن المبارك، فقال أبيات أنشدها ابنَ المبارك:

خلفت عرسي يوم السير باكية * يا ابن المبارك تبكيني برنات

(1) -أي: رقَّ، ولم يعد صالحًا للكتابة.

(2) قطَّ الشيء: قطعه عرضًا، ومنه: قط القلم.

(3) -انظر: (علو الهمة) (ص:150) .

(4) -والأثر فيه لين .

(5) -قال الحافظ أبو إسماعيل الهَرَوي الأنصاري-رحمه الله-: (المحدث يجب أن يكون سريع المشي، سريع الكتابة، سريع القراءة) ، ويمكن أن يزاد: (سريع الأكل) ، قال سحنون: (لا يصلح العلم لمن يأكل حتى يشبع) . قال الحافظ السيوطي:

حدثنا شيخنا الكِناني * عن أَبِهِ صاحبِ الخِطابهْ

أسرِع أخا العلم في ثلاثٍ * الأكلِ، والمشي، والكتابهْ

وشيخه الكناني إسمه: عز الدين أحمد بن إبراهيم الكناني المصري الحنبلي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت