فهرس الكتاب
وقال (مالك) -رحمه الله-: (لا ينال هذا الأمر، حتى يُذاق فيه طعم الفقر) ، وقد قال ابن القاسم: (أفضى بمالك طلبُ الحديث إلى أن نقض سقف بيته، فباع خشبه) .
وهذا (يحيى بن معين) -رحمه الله-، خلَّف له أبوه ألف ألف درهم، فأنفقها كلَّها على تحصيل الحديث حتى لم يبق له نعل يلبسه).
وروي عن أبي حاتم أنه قال: (ضاقت بنا الحال أيام طلب العلم، فعجزت عن شراء البزار، فكنت أخرج الليلً إلى الدرب الذي أنزله، وأرتفق. بسراج الحارس، وكان ربما ينام الحارس، فكنت أنوب عنه) .
معاناتهم الجوع والمرض والشدائد والمخاطرة بالنفس في طلب العلم
قص الإمام أبو حاتم -رحمه الله تعالى- شيئا مما لقيه أثناء رحلته في طلب العلم، فقال:
(لما خرجنا من المدينة من عند داود الجعفري صرنا إلى الجار، وركبنا البحر وكنا ثلاثة أنفس: أبو زهير المروزي شيخ، وآخر نيسابوري، فركبنا البحر، وكانت الريح في وجوهنا، فبقينا في البحر ثلاثة أشهر، وضاقت صدورنا ، وفني من كان معنا من الزاد والماء... ) [1] .
(ولذا تعظم المصيبة بفقدهم، وتَعُم الرزية بموتهم. قال ابن مسعود:(موت العالم ثُلْمَةٌ [2] في الإسلام، لا يسدها شيء ما طرد الليل والنهار) [3] . وروي مرفوعًا بلفظ: (إذا مات العالم انثلم في الإسلام ثُلمة، لا يسدُّها شيء إلى يوم القيامة) [4] . قال حماد بن زيد: (كان أيوب يبلغه موت الفتى من أصحاب الحديث فيُرى ذلك فيه، ويبلغه موت الرجل يذكر بعبادة فما يرى ذلك فيه) . وقال أيوب: ( إِنِّي أُخْبَرُ بموت الرجل من أهل السنة فكَأَنِّي أفقد بعض أعضائي) . وقال أيضًا: (إن الذين يتمنون موت أهل السنة يريدون أن يطْفِئُوا نور الله بأفواههم، والله متم نوره ولو كره الكافرون) . ولما مات زيد بن ثابت قال ابن عباس رضي الله عنهما: (يا هؤلاء من سره أن يعلم كيف ذهاب العلم، فهكذا ذهاب العلم، وأيم الله لقد ذهب اليوم علمٌ كثير، يموت الرجل الذي يعلم الشيء لا يعلمه غيره، فيذهب ما كان معه -ويشير إلى قبر زيد ويقول:- لقد دفن اليوم علمٌ كثير) وقال أيضًا: (أَتَدرون ما ذهاب العلم؟ قلنا: لا، قال: ذهاب العلماء ولا يزال عالمٌ يموت، وأثر للحق يَدْرس حتى يكثر أهل الجهل وقد ذهب أهل العلم فيعْملون بالجهل ويدينون بغير
(1) -انظر: (علو الهمة) لإسماعيل المقدم (ص162) .
(2) -الثلمة: الكسر والخلل في الحائط لكنه استعمل لغيره.
(3) -انظر: (شرح السنة) (1/317)
(4) -انظر: (موسوعة الأحاديث والآثار الضعيفة والموضوعة) (569/رقم:1993) . و (لا يصح مرفوعًا) .