فهرس الكتاب
علوهمتهم في الرحلة لطلب العلم
قال البخاري -رحمه الله-: (ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد) ، ورحل أبو أيوب الأنصاري من المدينة إلى عقبة بن نافع وهو في مصر ليروي عنه حديثًا، فقدم مصر، ونزل عن راحلته، ولم يحل رحلها، فسمع منه الحديث، وركب راحلته، وقفل إلى المدينة راجعًا. وقال مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيَّب قال: (كنت أرحلُ الأيام واللياليَ في طلب الحديث الواحد) . وقال أبو العالية رُفَيْع بن مِهْران الرِّياحي البصري: (كنا نسمعُ الرواية عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن بالبصرة، فما نَرْضى حتى نركب إلى المدينة فَنسمَعُها من أفواههم) : وقال الحافظ ابن كثير في ترجمة الإمام البخاري -رحمه الله-: (رحل إلى سائر مشايخ الحديث في البلدان التي أمكنَتْه الراحلةُ إليها. وكتب عن أكثر من ألف شيخ، قال الفِرَبْرِي: سَمِعَ(الصحيح) من البخاري معي نحوٌ من سبعين ألفًا، لم يبق منهم في الرحلة غيري:).
ورُوي عن الرازيّ ما يُدهش اللب، من علو همته في الرحلة لتحصيل العلم إذ قال: (أول ما رحلت أقمت سبع سنين، ومشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ، ثم تركت العدد، وخرجت من البحرين إلى مصر ماشيًا، ثم إلى الرملة ماشيًا، ثم إلى طرسوس، ولي عشرون سنة) .
سأضرب في طول البلاد وعُورَها لأطلب علمًا أو أموت غريبًا
فإن تَلِفَتْ نفسي فلله دَرُّها وإن سلمت كان الرجوع قريبًا
معانقتهم الفقر في سبيل الطَّلَبِ
(حَفَلت كتبُ الأدب والتراجم والتاريخ والأخلاق بأقوال العلماء في فقرهم وغُربتهم وصبرهم على الشدائد الخانقة، واستهانتهم بها، وعدم اكتراثهم لها، تمسكًا منهم بمثوبة الصبر، المحتسب فيه الأجر، والذي كانوا فيه من الفائزين.
وهذا الإمام الشافعي -رضي الله عنه- يستهين بسطوة الفاقة، ويكسر جبروتها بصبره الذي غلبها، فيقول فيما نسب إليه -رضي الله عنه-:
أمطري سَماءَ سَرَنْدِيبَ * وأخرجي آبار تُكرُورَ تِبْرا
أنا إن عشت لستُ أعدَمُ قُوتًا * ولئن مِتُّ لستُ أعدمُ قَبرَا
هِمَّتي هِمَّةُ الملوك ونفسي * نفسُ حُرٍّ تَرى المذلة كُفْرا)
وقال عمر بن حفص الأشقر: (إنهم فقدوا البخاري أيامًا من كتابة الحديث بالبصرة، قال: فطلبناه فوجدناه في بيت وهو عرْيان، وقد نَفِد ما عنده ولم يبق معه شيء، فاجتمعنا وجمعنا له الدراهم حتى اشترينا له ثوبا وكسوناه، ثم اندفع معنا في كتابة الحديث) .