فهرس الكتاب
والآثار وزهدوا فيهما وأضربوا عنها، فلم يعرفوا الإجماع من الاختلاف ولا فرقوا بين التنازع والائتلاف-بل: عوَّلوا على حفظ ما دُوِّنَ لهم من الرأي والاستحسان الذي كان عند العلماء آخر العلم والبيان-وكان الأئمة يبكون على ما سلف وسبق لهم فيه ويودون أن حظهم السلامة منه).
وقال البغوي:(لأني رأيت أعلام الدين عادت إلى الدروس وغلب على أهل الزمان هوى النفوس فلم يبق من الدين إلا الاسم ولا من العلم إلا الرسم، حتى تُصور الباطل عند أكثر أهل الزمان بصورة الحق والجهل بصورة العلم-وظهر فيهم تحقيق قول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم:"إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" [1] .
ولما كان الأمر على ما وصفته لك، أردت أن أجدد لأمر العلم ذكرًا، لعله ينشط فيه راغب متنبه، أو: ينبعث له واقف متثبط، فأكون كمن يسعى لإيقاد سراج في ظلمة مطبقة فيهدي به متحيرًا ويقع على الطريق مسترشدًا، فلا يخيب من الساعي سعيه، ولا يضيع حظه) [2] .
آفات العلم وبعض أنواعها:
وآفات العلم كثيرة أذكر منها بعض ما وقفت عليه:
1-عدم العمل به:
قال مالك بن مغول في قوله تعالى: (فنبذوه وراء ظهورهم) [3] : (تركوا العمل به) . والعالم لا يقال له عالم إلا إذا كان عاملًا بعلمه. قال بعضهم:
العلم زين بالعمل * لا بالتباهي والأمل
فمن أتى في وصفه * بالقول والفعل كمل
ومن نأى عن فعله * فهو حمار أو: جمل
يحمل أسفارًا فلا * يدري لمعنى ما حمل [4]
وقد ذكر محمد بن عبد الوهاب-في الناقض العاشر-من نواقض الإسلام-:
(الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى:"ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون") [5] .
(1) -رواه البخاري ومسلم في (صحيحهما) ، وأحمد في (مسنده) وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو. -كما تقدم-
(2) -انظر: (شرح السنة) (1/3/4) للبغوي.
(3) -سورة آل عمران رقم الآية: (187) .
(4) -انظر: (حاشية الصفتي على شرح ابن تركي على العشماوية) (ص:14) .
(5) -سورة السجدة، الآية رقم: (22) .