فهرس الكتاب
ينبغي أن نعلم بأن الغربة مرحلية-مهما طالت-وليست أبدية، وأن نعلم أيضًا أن سبب تأخر المسلمين وتقاعسهم عن نصر دين الله ناتج عن خوفهم وهلعهم وتفريطهم-أفبتفريط هؤلاء نحتج على دين الله؟-إن تأخر المسلمين ليس ناشئًا عن دينهم أبدًا، (فإنه قد علم كل من له أدنى نظر وبصيرة أن دين الإسلام يدعو إلى الصلاح والإصلاح، في أمور الدين وفي أمور الدنيا، ويحث على الاستعداد، من تعلم العلوم والفنون النافعة، ويدعو إلى تقوية القوة المعنوية والمادية لمقاومة الأعداء(دفاعًا وطلبًا) ، والسلامة من شرهم وأضرارهم، ولم يستفد أحد منفعةً دنيويةً فضلًا عن المنافع الدينية إلا من هذا الدين، وهذه تعاليمه وإرشاداته قائمة لدينا تنادي أهلها:
هلُمَّ إلى الاشتغال بجميع الأسباب النافعة التي تعليكم وترقِّيكم في دينكم ودنياكم. قال الأستاذ: محمد أحمد الراشد: (أما غربة الغرباء الذين ذُكروا في الحديث الشريف"طوبى للغرباء"، فهي غربة بالنسبة للواقع [1] ، أي: لندرتهم وقلتهم بين غثاء ضال، أما في عالم الضمير والشعور، فإن للمؤمن الفرد من إيمانه أنيسًا ورفيقًا وخليلًا يُبعد-هذا الشعور-الغربة) [2] .
وقال العلامة المحقق النحرير الحافظ ابن القيم: (لا يكترث بمخالفة الناكبين عنه له، فإنهم هم الأقلون قدرًا، وإن كانوا الأكثرين عددًا، كما قال بعض السلف:"عليك بطريق الحق، ولا تستوحش لقلة السالكين"وكلما استوحشت في تفردك؛ فانظر إلى الرفيق السابق، واحرص على اللحاق بهم، وغُضَّ الطرف عمن سواهم، فإنهم لن يُغنوا عنك من الله شيئًا، وإذا صاحوا بك في طريق سيرك، فلا تلتفت إليهم [3] ، فإنك متى التفت إليهم أخذوك، وعاقوك) . والملتفت لنعيق الباطل كالظبي، و (الظبي أشد سعيًا من الكلب، ولكنه إذا أحس به، التفت إليه، فيضعف سعيه، فيدركه الكلب، فيأخذه) [4] .
وفي هذا المعنى يقول الأستاذ الأديب المقتدر، والمجاهد المنتصر سيدنا سيد قطب:
أخي فامض لا تلتفت للوراءْ [5] * طريقك قد خَضَّبَتْه الدماءْ
(1) -وإبليس يضحك على كثير من الشباب بهذه المقولة الفجة: (أنت أكبر أم الواقع؟) . للأسف قد صارت هذه المقولة من الأمثال التي لا تتغير عند كثير من المغفلين، مع أنها مثل مقولة التي ختم بها الشيطان على قلب النائم: (عليك ليل طويل فارقد) ، ذو الهمة العالية، والنفس التواقة لا يعترض بشيء اسمه: (أمر الواقع) ، و (المستجدات العصرية) لأن الواقع والمستجدات ينبغي أن تنزل إلى الشرع وتخضع له لا العكس. تأملوا هذا جيدًا.
(2) -انظر: (المنطلق) (ص:236) للأستاذ: محمد أحمد الراشد، انتهى من (علو الهمة) (ص:43) .
(3) -لأنهم لا فرق بينهم وبين قطاع الطريق، بل: هم أخبث.
(4) -انظر: (مدارج السالكين) (1/21/22) ، و (علو الهمة) (ص:44) .
(5) -لعله أخذ هذا من قول النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-لسيدنا علي حين أعطاه الراية في خيبر: (امض ولا تلتفت) .