الصفحة 29 من 185

ولا تلتفت هاهنا أو: هناك * ولا تتطلع لغير السماءْ

وطرق الالتزام بالسنة والتضحية موحشة لقلة السالكين، والملتزم بها كالقابض على الجمر.

ومن يتهيب صعود الجبال * يعشْ أبد الدهر بين الحفَر

ومعظم الناس في عصرنا يتحركون بدون هدف وبدون قصد وفي شأنهم يقول ابن القيم: (لا شيء أقبح بالإنسان أن يكون غافلًا عن الفضائل الدينية، والعلوم النافعة، والأعمال الصالحة، فمن كان كذلك فهو من الهمج الرَّعاع، الذين يكدرون الماء، ويُغلون الأسعار، إن عاش عاش غير حميد، وإن مات مات غير فقيد، فقدهم راحة للبلاد والعباد، ولا تبكي عليه السماء، ولا تستوحش لهم الغبراء) [1] .

وقال أيضًا في الذين حرموا العلم والبصيرة، والهمة والعزيمة: (هم الموصوفون بقوله تعالى:(إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون) ، وبقوله: (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو: يعقلون إن هم إلا كالانعام بل: هم أضل سبيلًا) ، وبقوله: (إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء) ، وبقوله: (وما أنت بمسمع من في القبور) .

وهذا الصنف شر البرية، رؤيتهم قذى العيون، وحُمى الأرواح، وسقم القلوب، يضيقون الديار، ويغلون الأسعار، ولا يستفاد من صحبتهم إلا العار والشنار، وعند أنفسهم أنهم يعلمون ولكن ظاهرًا من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون، ويعلمون ولكن ما يضرهم ولا ينفعهم، وينطقون ولكن عن الهوى ينطقون، ولكن عن الجهل يتكلمون، ويؤمنون ولكن بالجبت والطاغوت، ويعبدون ولكن من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم، ويجادلون ولكن بالباطل ليدحضوا به الحق، ويتفكرون ويبيتون، ولكن ما لا يرضى من القول، ويدعون ولكن مع الله إلهًا آخر يدعون، ويحكمون ولكن حكم الجاهلية يبغون، ويقولون: إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون، فهذا الضرب: ناس بالصورة وشياطين بالحقيقة، وجلهم إذا فكرت لها حمير أو: كلاب أو: ذئاب، ...

عالمهم كما قيل:

زوامل للأسفار لا علم عندهم * بجيدها إلا كَعلم الأباعر

لعمرك ما يدري البعير-إذا غدا * بأوساقه أو: راح-ما في الغرائر) [2] .

وإياك والخوف من طواغيت الأرض كلها فإنهم لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رُفِعت الأقلام وجفت الصحف، لا تكن رعديدًا تتوقع زوال النعم وحلول النقم، تخلص-أخي-من عقدة الخوف والهلع والجبن، حدِّد هدفك ولا تكن سبهللًا بدون هدف في أقوالك وأفعالك، فإن (أفعال العقلاء تصان عن العبث) ، قال أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب: (إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللًا-أي: فارغًا-لا في عمل دنيا ولا في عمل الآخرة!) [3] . ضحِّ بنفسك من أجل هدفك ودينك (من عرف ما قصد هان عليه ما وجد) .

لأن(الناس جميعًا مؤمنون وكفار لا بد لهم من مراد يقصدونه، ويتوجهون إليه، على ذلك فطرهم الله، فالإنسان دائم الهم والإرادة، دائب العمل والحركة، ولذلك كان:"أصدق الأسماء: حارث وهمام"كما ورد في الحديث [4] ، لأن كل إنسان حارث: بمعنى: كاسب، وكل إنسان همام: أي: كثير الهم والإرادة.

فالإنسان مجبول على أن يقصد شيئًا، ويريده، ويستعينه، ويعتمد عليه في تحصيل مطلبه، قد يكون هو الله، وقد يكون غيره، ولكن الإنسان لا يمكن إلا أن يكون كذلك، أي: له مراد يقصده، ويتوجه إليه. والسبب في ذلك أن الإنسان فقير إلى غيره محتاج إليه، كي يسد نقصه، ويكمل عجزه، ويحصل حاجته، وفقره هذا دائم لا يتوقف، ولا ينقطع.

ومن عجائب الإنسان أنه إذا أراد شيئًا من المخلوقات، ثم حصل عليه مَلَّهُ، وطلب غيره، أو: أكثر منه، وفي ذلك يقول الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-:"لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى ثالثًا ولا يملأ جوفَ ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب-متفق عليه"، فالنفس الإنسانية دائمة التِّطلاب لما لم تحصل عليه، ولم تصل إليه، وليس هناك من شيء يمكن أن يسد فقرها وحاجتها إلى أن تصل إلى ربها ومعبودها، فتعرفه، وتقصده دون سواه، عند ذلك يجد القلب مطلوبه، وتحصل النفس على مرادها، فيكون الاطمئنان والراحة والهناء) [5] .

وقال الأشقر: (والنفس في طلب مرادها مترقية متسامية، تطلب الأكمل والأفضل، والكمال كله والفضل كله حازته الذات الإلهية، فإذا وجه الإنسان قصده وهمته لغير فاطره، فإنه يشقى ولابد، لأن همومه تتعدد، وغاياته تتشتت [6] ، فإذا لم يكن هم العبد همًا واحدًا تقاسمته هموم الدنيا، فعند

(1) -انظر: (مفتاح دار السعادة) (1/134) ، و (علو الهمة) (ص:50) .

(2) -انظر: (علو الهمة) (ص:50/51) .

(3) -انظر: (قيمة الزمن عند العلماء) (ص:118) لشيخنا العلامة عبد الفتاح أبي غدة-رحمه الله-.

(4) -رواه البخاري في (الأدب المفرد) انظر تخريجه بتوسع في: (السلسلة الصحيحة) (رقم:1040) ، انتهى من (علو الهمة) (ص:50) .

(5) -انظر: (مقاصد المكلفين) (ص:365/366) ، و (علو الهمة) (ص:52) .

(6) -وصدق من قال:

ومُشَتَّتُ العَزَماتِ يُنفق عُمْرَه * حيران لا ظفرٌ ولا إخفاق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت