فهرس الكتاب
من طعامنا، فكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرتُ لك، فبعث الله إلينا رجلًا معروفًا، نعرف نسبه، ونعرف وجهه ومولده، فأرضه خير أرضنا، وحسَبه خير أحسابنا، وبيته أعظم بيوتنا، وقبيلته خير قبائلنا، وهو بنفسه كان خيرنا في الحال التي كان فيها أصدقنا وأحلمنا، فدعانا إلى أمر فلم يجبه أحد أولَ من تِرْبٍ [1] كان له، وكان الخليفة بعده، فقال، وقلنا، وصدّق، وكذَّبنا، وزاد، ونقصنا، فلم يقل شيئًا إلا كان، فقذف الله في قلوبنا التصديقَ له وأتباعه، فصار فيما بيننا وبين رب العالمين، فما قال فهو قول الله، وما أمرنا فهو أمر الله، فقال لنا:"إن ربكم يقول: إنني أنا الله وحدي لا شريك لي، كنت إذْ لم يكن شيء، وإن رحمتي أدركتكم فبعثت إليكم هذا الرجل، لأدلكم على السبيل التي بها أنجيكم بعد الموت من عذابي، ولأحلكم داري، دار السلام، فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الحق، وقال: من تابعكم على هذا، فله ما لكم، وعليه ما عليكم، ومن أبى فاعرضوا عليه الجزية، ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم، ومن أبى فقاتلوه، فأنا الحَكَم بينكم، فمن قُتِل منكم أدخلته جنتي، ومن بقي منكم أعقبته النصر على من ناوأه، فاختر إن شئت الجزية عن يدٍ وأنت صاغر، وإن شئت فالسيف، أو: تسلم فتنجي نفسك)."
فقال: (أتستقبلني بمثل هذا؟) ، فقال: (ما استقبلت إلا من كلمني، ولو كلمني غيرك، لم أستقبلك به) ، فقال: (لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم، لا شيء لكم) ، وقال: (إئتوني بِوِقر من تراب) ، فقال: (احملوه على أشرف هؤلاء، ثم سوقوه حتى يخرج من باب المدائن، ارجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أني مرسل إليكم رستم، حتى يدفيكم [2] ، ويدفيه في خندق القادسية، وينكل به وبكم من بعدُ، ثم أُورده بلادكم، حتى أشغلكم في أنفسكم بأشد مما نالكم من سابور) ، إلى آخر القصة الرائعة.
وفيها: (أن عاصم بن عمرو احتمل وقر التراب، واعتبره فألًا على الظفر بأرضهم، كما تطير منه رستم على أنه علامة أن الله سلبهم أرضهم وأبناءهم للمسلمين. ثم إن كسرى بعث أهل فارس بعددهم وعُدَدهم وعلى رأسهم رستم، حتى إذا نزل رستم"بالعقيق"على منقطع معسكر المسلمين، راسل"زهرة"فخرج إليه حتى واقفه، فأراده أن يصالحهم، ويجعل له جعلًا [3] على أن ينصرفوا عنه، وجعل يقول: أنتم جيراننا، وقد كانت طائفة منكم في سلطاننا...) إلخ.
فقال له زهرة: (صدقت، قد كان ما تذكر، وليس أمرنا أمر أولئك ولا طِلبتنا، إنا لم نأتكم لطلب الدنيا، إنما طِلبتنا وهمتنا: الآخرة، كنا كما ذكرت، يدين لكم مَن ورد عليكم منا، ويضرع إليكم يطلب ما في أيديكم، ثم بعث الله تبارك وتعالى إلينا رسولًا، فدعانا إلى ربه، فأجبناه، فقال
(1) -التِّرب: بكسر التاء: اللِّدَةُ، والسِّنُّ، ومن وُلد معك، والإشارة هنا إلى الصديق الأكبر أبي بكر-رضي الله عنه-.
(2) -يقال: دفوت الجريح وأدفيته:أي: أجهزتُ عليه.
(3) -الجُعْل، والجِعالة: ما جعله له على عمله من أجر، أو: رشوة.