الصفحة 36 من 185

إليه أبدًا، فلا نترك دين المسيح إلى دين لا نعرفه)، وبذلك رفضوا شرط الإسلام، فلم يبق أمامهم إلا شرط الجزية، أو: الحرب، فقالوا: (إنا إذا أذعنَّا للمسلمين، ودفعنا الجزية، لم نَعْدُ أن نكون عبيدًا، ولَلموتُ خير من هذا) ، فرد عليهم عبادة قائلًا:

(إنهم إن دفعوا الجزية كانوا آمنين على أنفسهم وأموالهم وذراريهم، مسلطين في بلادهم على ما في أيديهم وما يتوارثونه فيما بينهم، وحُفظت لهم كنائسهم، لا يتعرض لهم أحد في أمور دينهم) ، فقال المقوقس لمن حوله: (أجيبوني وأطيعوا القوم إلى خصلة من هذه الثلاث فوالله ما لكم بهم طاقة، وإن لم تجيبوا إليهم طائعين لتجيبنهم إلى ما هو أعظم منها كارهين) [1] .

3-وجاء سعد ابن أبي وقاص- رضي الله عنه -حتى نزل (القادسية) ومعه الناس، ولا يزيد المسلمون على سبعة آلاف أو: نحو من ذلك، والمشركون يبلغون ثلاثين ألفًا أو: نحوًا من ذلك، ونبال المسلمين وعُدتهم موضع سخرية أهل فارس، وجعلوا يشبهونها بالمغازل، فيقولون:"دوك، دوك"، ويقولون للمسلمين ضاحكين ومزدرين إياهم: (لا يدي لكم ولا قوة ولا سلاح! ما جاء بكم؟ ارجعوا!) .

ولما أُدخِل وفد المسلمين على كسرى يزدجرد جعل أهل فارس يسوؤهم ما يرون من حالهم وحال خيلهم، فلما دخلوا على يزدجرد أمرهم بالجلوس، وكان سيء الأدب، فكان أول شيء دار بينه وبينهم أن أمر الترجمان بينه وبينهم، فقال:"سلهم ما يسمون هذه الأردية؟"، فكان يلقى منهم أجوبة يتطير منها...

ولما عرض النعمان بن المقرن دعوة الإسلام على كسرى، قال الأخير:"إني لا أعلم في الأرض أمة كانت أشقى، ولا أقل عددًا، ولا أسوأ ذات بينٍ منكم، قد كنا نوكِّل بكم قرى الضواحي فيكفونناكم، لا تغزوا فارس، ولا تطمعوا أن تقوموا لهم، فإن كان عدد لَحِقَ فلا يغرنكم منا، وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قُوتًا إلى خصبكم، وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم، وملَّكنا عليكم ملكًا يرفق بكم"، فأسكت القوم، فقام المغيرة بن زرارة الأسيدي، فقال: (أيها الملك! إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالمًا، فأما ما ذكرت من سوء الحال، فما كان أسوأ حالًا منا، وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع، كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات، فنرى ذلك طعامنا.

وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم، ديننا: أن يقتل بعضنا بعضًا، ويغير بعضنا على بعض، وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية، كراهة أن تأكل

(1) -انظر: (الخطط) (1/294/245) للمقريزي، و (فتوح مصر) (ص:59/63) لابن عبد الحكم، و (عمرو بن العاص بين يدي التاريخ) (ص:158/160) ، و (علو الهمة) (ص:83/84) للشيخ محمد أحمد إسماعيل المقدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت