فهرس الكتاب
الجهاد في الله، واتباع رضوانه، وليس غزوُنا عدوَّنا ممن حارب الله لرغبة في دنيا، ولا طلبٍ للاستكثار منها، لأن غاية أحدنا من الدنيا أكلة يسد بها جوعه لليله ونهاره، وشملة يلتحفها، لأن نعيم الدنيا ليس بنعيم، ورخاءها ليس برخاء، إنما النعيم والرخاء في الآخرة، وبذلك أمرنا الله، وأمرنا به نبينا، وعهد إلينا ألا تكون همة أحدنا من الدنيا إلا ما يمسك جوعته ويستر عورته، وتكون همته وشغله في رضوانه وجهاد عدوه) [1] .
فلما سمع المقوقس كلام الصحابي البطل عبادة بن الصامت، قال لأصحابه: (هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل.. إن هذا وأصحابه قد أخرجهم الله لخراب الأرض) ثم أقبل على عبادة، أراد أن يسلك معه طريق الإرهاب المغلف في قالب من النصح، فقال له: (أيها الرجل الصالح! قد سمعت مقالتك وما ذكرتَ عنك وعن أصحابك، ولعمري ما بلغتم وما ظهرتم على من ظهرتم عليه، إلا لحبهم الدنيا ورغبتهم فيها، وقد توجه إلينا لقتالكم من جمع الروم ما لا يحصى عدده، قوم معروفون بالنجدة والشدة، ما يبالي أحدهم من لقي ولا من قاتل، وإننا لنعلم أنكم لن تقدروا عليهم، ولن تطيقوهم لضعفكم وقلتكم، ونحن تطيب أنفسنا أن نصالحكم على أن نفرض لكل رجل منكم دينارين دينارين، ولأميركم مائة دينار، ولخليفتكم ألف دينار، فتقبضوها، وتنصرفوا إلى بلادكم، قبل أن يغشاكم ما لا قوام لكم به) . فرد عليه عبادة بن الصامت قائلًا:
(يا هذا لا يغرن نفسك ولا أصحابك ما تخوفنا به من جمع الروم وعددهم وكثرتهم، وأنا لا نقوى عليهم، فلعمري ما كان هذا بالذي تخوفنا به، ولا بالذي يكسرنا عما نحن فيه... إن قُتلنا عن آخرنا كان أمكن لنا في رضوانه وجنته، وما من شيء أقرَّ لأعيننا ولا أحب إلينا من ذلك، وإن الله عز وجل قال في كتابه:(كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين) ، وما من رجل إلا وهو يدعو ربه صباح مساء أن يرزقه الشهادة، وألا يرده إلى بلده ولا إلى أرضه ولا إلى أهله وولده، فانظر الذي تريد فبينه لنا، فليس بيننا وبينكم خصلة نقبلها منك ولا نجيبك إلا إليها إلا خصلة من ثلاث خصال، فاختر أيتها شئت، ولا تطمع نفسك في الباطل، بذلك أمرني الأمير، وبها أمره أمير المؤمنين، وهو عهد رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-من قبل إلينا).
ثم قال: (لا ورب هذه السماء، ورب هذه الأرض، ورب كل شيء، ما لكم عندنا من خصلة غيرها فاختاروا لأنفسكم) ، عند ذلك اجتمع المقوقس بأصحابه فقالوا: (أما الأمر الأول فلا نجيب
(1) -انظر: (الخطط) (1/293) للمقريزي، و (علو الهمة) (ص:82/83) للشيخ محمد أحمد إسماعيل المقدم.