الصفحة 34 من 185

وخضعت لهم أقوى الأمم وذلك بالدين الحق والعدل والحكمة والرحمة، وبالأوصاف الجميلة التي كانوا عليها) [1] .

وكان ذلك لعلو همتهم، وترك سفاسف الأمور الكاذبة، واعتزازهم بانتمائهم إلى الدين الحنيف، دين العزة والكرامة، فمن ذلك:

1-ما صح عن ابن شهاب أنه قال: (خرج عمر بن الخطاب إلى الشام، ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فأتوا على مخاضة، وعمر على ناقة، فنزل عنها، وخلع خفيه، فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته، فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين، أأنت تفعل هذا؟! تخلع نعليك، وتضعهما على عاتقك، وتأخذ بزمام ناقتك، وتخوض بها المخاضة؟ ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك! فقال عمر: أوَّه لو يقل ذا غيرُك أبا عبيدة جعلته نكالًا لأمة محمد-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-إنا كنا أذلَّ قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله) .

وفي رواية قال: (يا أمير المؤمنين، تلقاك الجنود وبطارقة الشام وأنت على حالك هذه؟ فقال عمر: إنا قوم أعزنا الله بالإسلام، فلن نبتغي العز بغيره) . تأملوا هذه القصة جيدًا وتمسكوا بدينكم في السراء والضراء، واعلموا أن البقاء للأصلح، (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) .

2-لما بلغ عمرو بن العاص-رضي الله عنه-بجيشه حاكم مصر"المقوقس"وجيشه، بعث عمر إليه عشرة رجال أحدهم عبادة بن الصامت- رضي الله عنه -وكان"عبادة"شديد السواد، وأمره أن يكون متكلم القوم، ولا يجيب الروم إلى شيء دعوه إليه إلا إحدى هذه الخصال الثلاث، فلما دخلت رسل المسلمين إلى المقوقس، وعلى رأسهم عبادة، هابه المقوقس لسواده وفرط طوله، وقال: (نحُّوا عني ذلك الأسود، وقدموا غيره يكلمني) ، فقال الوفد جميعًا: (إن هذا الأسود أفضلنا رأيًا وعلمًا، وهو سيدنا وخيرنا والمقدم علينا، وإنما نرجع جميعًا إلى قوله ورأيه، وقد أمَّره الأمير دوننا لما أمره، وأمرنا ألا نخالف رأيه وقوله) ، ثم قالوا-وكان قولهم عجيبًا عند المقوقس-: (إن الأسود والأبيض سواء عندنا، لا يفضل أحد أحدًا إلا بفضله، وعقله، وليس بلونه) [2] .

فقال عبادة: (إن فيمن خلفتُ من أصحابي ألف رجل أسود، كلهم أشد سوادًا مني، وإني ما أهاب مائة رجل من عدوي، لو استقبلوني جميعًا، وكذلك أصحابي، وذلك إنما رغبتنا وهمتنا في

(1) -انظر: (انتصار الحق) (ص:21/23) لشيخ شيوخنا عبد الرحمن السعدي.

(2) -انظر: (الخطط) (1/292) للمقريزي، و (علو الهمة) (ص:78/83) للشيخ محمد أحمد إسماعيل المقدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت