فهرس الكتاب
فقال: (ويحكم! لا تنظروا إلى الثياب، ولكن انظروا إلى الرأي، والكلام، والسيرة) ، وأقبلوا يتناولون سلاحه، ويزهدونه فيه..
ثم كان أن أبى الفرس دعوة الحق، واختاروا المناجزة، فنصر الله المسلمين، وهزموا فارس وسَبَوْهم. وكان"يزدجرد"ملك الفرس قد أرسل يستَنْجد بملك الصين، ووصف له المسلمين، فأجابه ملك الصين: (إنه يمكنني أن أبعث لك جيشًا أوله في منابت الزيتون-أي: الشام-وآخره في الصين، ولكن إن كان هؤلاء القوم كما تقول؛ فإنه لا يقوم لهم أهل الأرض، فأرى لك أن تصالحهم، وتعيش في ظلهم، وظل عدلهم) [1] .
إذًا فلنتعامل مع هذه الغربة التي انتشرت وعمت بما قال الإمام الفضيل بن عياض:
1- (الزم طريق الهدى، ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين) .
2-وقول سفيان بن عيينة: (اسلكوا سبل الحق، ولا تستوحشوا من قلة أهلها) .
3-وقول سليمان الداراني: (لو شك الناس كلهم في الحق، ما شككت فيه وحدي) .
4-وقول بعض الصالحين: (انفرادك في طريق طلبك، دليل على صدق الطلب) .
5-وقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن أول ثمرات العزة الإيمانية التي يحسها المؤمن: إدراكه في الإسلام من قوة الحقيقة التي يكفي لكي تعلن عن نفسها أن تتمثل في فرد واحد، وما في الآراء الجاهلية المخالفة من زيف الباطل، واحتياجها إلى سواد كثير، وعدد كبير من الأفراد، يأسر منظرهم كل ساذَج، فيغتر، وينطلي زيف الباطل عليه، دون أن يدرك ما هم فيه من الضلال.
ومن هاهنا رأينا الأمة [2] الإسلامية تمثل أكثر من مرة بمؤمن واحد فقط، كما قال الله تعالى: (إن إبراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفًا) ، ثم قال شيخ الإسلام: أي: كان مؤمنًا وحده، وكان الناس
(1) -انظر: (علو الهمة) (ص:81/90) .
(2) -الأمة: اسم مشترك يطلق على ثمانية أوجه: الجماعة والدليل قوله تعالى: (وجد عليه أمة من الناس) أي: جماعة، وعلى الملة قال تعالى: (إنا وجدنا آبانا على أمة) أي: على ملة ودين، وعلى الرجل الجامع للخير قال تعالى: (إن إبراهيم كان أمة) أي: جامعًا للخير، قال ابن مسعود: (الأمة: المعلم للخير، والقانت: المطيع) -أخرجه ابن جرير في (التفسير) (14/128) ، وأبو نعيم في (الحلية) (1/229/230) ، والطبراني في (الكبير) (20/رقم:47) ، والحاكم في (المستدرك) (2/358) وقال: (صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) . وسكت عليه الذهبي. انظر: (جامع بيان العلم وفضله) (1/499/رقم:797) -وعلى المدة من الزمن قال تعالى: (ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة) أي: إلى مدة محدودة من السنين، وعلى أتباع الأنبياء... اإلى آخره انظر التفصيل في (الجامع لأحكام القرآن) (9/5) للقرطبي.