حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة» .
فآية الرجم المقصود منها إثبات حكمها، لا التعبد بها، ولا تلاوتها، فأُنزلت وقرأها الناس، وفهموا منها حكم الرجم، فلما تقرر ذلك في نفوسهم نسخ الله تلاوتها، والتعبد بها، وأبقى حكمها الذي هو المقصود.
فالرجم ثابت في القرآن، وما ثبت في صحيح البخاري (6812) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين رجم شراحة بنت مالك الهمدانية في خلافته وقال: رجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا ينافي ذلك ; لأن السنة هي التي بينت أن حكم آية الرجم باق بعد نسخ تلاوتها فصار حكمها من هذه الجهة، فإنه ثابت بالسنة.
وأما الآية التي هي باقية التلاوة والحكم، فهي قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون} ، على القول بأنها نزلت في رجم اليهوديين الزانيين بعد الإحصان، وقد رجمهما النبي صلى الله عليه وسلم، وقصة رجمه لهما مشهورة ثابتة في الصحيح، وعليه فقوله: {ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون} أي: عما في التوراة من حكم الرجم، وذم المعرض عن الرجم في هذه الآية يدل على أنه ثابت في شرعنا، فدلت الآية على هذا القول أن الرجم ثابت في شرعنا، وهي آية باقية التلاوة"انتهى باختصار وتصرف."
قلت: وتوجد آية ثالثة أخرى تدل على إثبات حد الرجم غير ما ذكره العلامة الشنقيطي، وهي قوله تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون * أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} ، قال الإمام بن الجوزي في كتابه زاد المسير في علم التفسير (1/ 556) :"قوله تعالى: (واحذرهم أن يفتنوك) أي: يصرفوك (عن بعض ما أنزل الله إليك) وفيه قولان: أحدهما: أنه الرجم، قاله ابن عباس. والثاني: شأن القصاص والدماء، قاله مقاتل"انتهى.
وهذه فائدة قيمة وفيها دليل ثالث من القرآن يضاف إلى ما ذكره العلامة الشنقيطي في إثبات حد الرجم بالقرآن، حيث تقدم أن الشنقيطي ذكر آيتين من كتاب الله تدلان على حد الرجم أحدهما منسوخة التلاوة مع بقاء الحكم، وهي (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) ، والثانية محكمة وهي قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون} ، والثالثة التي لم يذكرها الشنقيطي قول الله تعالى في سورة المائدة التي أنزلت بعد سورة النور، بل اتفق العلماء على أن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن