النحوية بالأحاديث النبوية )) ، وجعلته في مقدمة ومبحثين، وأوضحت في المقدمة مصادر السماع التي استقى منها النحويون أقيستهم، واختلافهم في أول من أكثر الاحتجاج بالحديث منهم، وفيمن كان السبب في عدم الاحتجاج به. وبيَّنت في المبحث الأول مذاهبهم في الاستدلال بالحديث الشريف. وفي المبحث الثاني عرضت شبهات المانعين والمتوسطين وناقشتها. ومن اللَّه ألتمس التوفيق والسداد، ومنه أستمدُّ العون والتأييد.
لا خلاف بين النحويين في الاحتجاج بالقرآن العظيم في علوم العربية، والاستدلال به على إثبات قواعد النحو الكلية، وإن كانوا قد وضعوا شروطًا لقبول ما اختلف فيه القراء من أحرفه. ولا خلاف بينهم كذلك في أنَّ كلام العرب كلّه نظمه ونثره يُستدل به على إثبات القواعد العربية مطلقًا، وإنما وقع الخلاف بينهم في معرفة من يُحتجّ بكلامه من العرب ومن لا يُؤخذ بكلامه. وكل ذلك مبثوث في كتبهم.
فإذا نظرنا في مصنفاتهم نراهم قد نصُّوا على أنَّ مقاييس النحو تُستنبط من هذين المصدرين، فقال أبو علي الفارسي في حدّ النحو: (( النحو علمٌ بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب ) ) [1] ، وقال أبو عبد اللَّه حسين بن موسى الدينوري: (( النحو علم يُستَنبط بالقياس والاستقراء من كتاب اللَّه تعالى، وكلام فصحاء العرب ) ) [2] .
وبالنظر في هذين الحدَّين نرى أنَّ أبا علي قد حصر المصدر الذي
(1) التكملة لأبي علي الفارسي ص 3، تحقيق: د. حسن فرهود، الرياض 1401هـ ـ 981م.
(2) فيض نشر الانشراح من روض طي الاقتراح لمحمد بن الطيب الفاسي ص 505، تحقيق: د. محمود فجال، دبي 1412هـ ـ 2000م، والإصباح في شرح الاقتراح ص 87 د. محمود فجال، دمشق 1409هـ ـ 1989م عن كتاب ثمار الصناعة للدينوري. وللنحو حدود كثيرة، وقد اقتصرت منها على ما له صلة بهذا البحث.