وقد احتوت الآيات وصفا قويا شاملا للمنافقين، فهم يدّعون الإسلام كذبا، ويدسون ويفسدون ثم يزعمون أن فيما يبدو منهم إصلاحا ومصلحة، ويأنفون أن يكونوا كالمخلصين فناء في الإسلام وواجباته وطاعة النبي صلى الله عليه وسلم، ويعتبرون ذلك سفها، وقد عقدوا الصلاة الوثيقة باليهود، فكلما خلوا إليهم أكدوا لهم أنهم معهم، وأنهم إذا تظاهروا بالإسلام فليس إلا خداعا واستهزاء، وكل هذا منبعث عن مرض قلبي ونية خبيثة فيهم.
والآيات لا تحتوي كلمة"المنافقين"ولكن لا تدع أي شك في أنها تعنيهم. والآية 13 التي تحكي وصفهم المؤمنين المخلصين بالسفهاء، تلهم أن القائلين من الزعماء البارزين الذين تدفعهم عنجهيّتهم الى الترفّع، والذين كانوا يرون في التفاني في النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته غلوّا لا محل له؛ والراجح مع هذا أن ما حكي عنهم إنما كان يصدر منهم حينما يكون مخاطبهم أو معاتبهم من طبقتهم، أو من ذوي رحمهم، بحيث يأمنون النميمة والعصبية؛ ومثل هذا ما حكته عنهم الآية 12 أيضا إذ المرجح أن الذين كانوا يعاتبونهم على دسهم وإفسادهم هم من طبقتهم، أو ذوي رحمهم، ولعل في جملة { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} في كلتا الآيتين قرينة ما على ذلك. ويبدو أن تفاني المخلصين في النبي صلى الله عليه وسلموالإسلام مما كان يزيد في لهيب حقد هذه الفئة، لأن ذلك كان مما يحبط مكايدهم، ويبعد عنهم ذوي أرحامهم. ولعل فيما حكى عنهم في الآيتين من الاعتذار الواهي المكابر قرينة ما على ذلك أيضا.