ومهما كان احتمال أن لا تكون هذه الآيات من أول ما نزل من القرآن المدني، فإننا لا نشك في أنها مما نزل في عهد مبكر، ويستلهم هذا من أنها إنما تحتوي وصفا عاما. وتبكير نزولها يلهم أن هذه الحركة قد ظهرت مبكرة جدا"ورد في روايات السيرة أن غيظ بعض الزعماء في المدينة الذين صاروا زعماء المنافقين قد بدأ قبل الهجرة النبوية، وفي عهد القارئ أو الإمام الذي أرسله النبي صلى الله عليه وسلم مع وفود المدينة ليعلمهم القرآن ويؤمّهم في الصلاة"وأن التواثيق بين القائمين بها واليهود قد توطّد كذلك في عهد مبكر جدا.
وفي سورة البقرة الآيات التالية أيضا:
{وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) } البقرة.
وفي هذه الآيات صورة أخرى لمنافقين، وإن لم يرد فيها كذلك كلمة"المنافقين"وهي صورة قوية الملامح للناس الذين يستثيرون الإعجاب، بأقوالهم المنمقة، وأيمانهم المغلظة، ولكنهم لا يتورعون عن أفضع الآثام؛ ثم يغضبون إذا ما عوتبوا وطولبوا بتقوى الله وخوفه مما يقترفونه، ويعتبرون ذلك إهانة لكرامتهم، ووسيلة للإيغال في الشر والفساد والفتنة. والصورة وإن كانت مطلقة تعبّر عن فئة من الناس قد توجد في كل زمان ومكان لأنها متصلة بطبائع البشر المختلفة، فلا شك في أن الآيات قد نزلت في صدد أناس من المتظاهرين بالإسلام كانوا يبطنون الكفر، ويوغلون في الإثم والعداء والفتنة، ولقد ذكرت الرويات أنها نزلت على زعيم بدوي إسمه شريق ابن الأخنس، غدر وأثم بعد توكيده الإيمان، وعهده على عدم الخيانة والغدر.