وقد روي أنها نزلت في مناسبة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين الى التصدّق فأقبل أغنياؤهم وفقراؤهم على السواء، كلّ يتصدّق حسب قدرته، فأخذ المنافقون يلمزون الفلايقين، فيقولون عن الأغنياء أنهم يعطون رياء، وعن الفقراء إن ما أتوا به تافه لا قيمة له، وإنهم إنما أعطوه ليذكروا بأنفسهم به، وليكون لهم وسيلة الى نيلهم نصيبا من مال الصدقة، وقد عنيت الرواية عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه من الأغنياء حتى تصدق بنصف ماله، وأبا عقيل من الفقراء حين جاء بصاع من تمر، ومع احتمال صحة الرواية واتساقها مع الآية فإنه يتبادر أنها أوسع شمولا، والراجح أن الدعوة النبوية كانت بسبيل تجهيز حملة تبوك، لأن الآية قد نزلت في ظروفها، وموقف السخرية والكيد بارز في الآية، ولقد جاء عقبها آيد شديدة حاسمة في دفع المنافقين بالكفر وعدم إمكان غفران الله لهم فقال:
{ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80) } التوبة.
سبق أن ذكرنا في معرض عدم الاستغفار والصلاة لهم أن هذه الآية نزلت في صدد مراجعة أحد أقرباء زعيم من زعماء المنافقين كان في حالة الاحتضار وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله خيّرني"واستغفر له تطييبا لقلب المؤمن المخلص الذي طلب منه ذلك، فإننا نرجح أنها أسلوبية استهدفت كما قلنا دفع المنافقين بالكفر والفسق، وعدم إحتمال غفران الله لهم، بسبب ما حكته هذه الآيات وما قبلها من مواقفهم الكيدية والساخرة، ولا أعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم خالف روح الآية واستغفر لأحد ممن كان مصرا على نفاقه وكفره ومواقفه الكيدية الساخرة."محمد عزة دروزه، سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم".
وفي السورة نفسها الآيات التالية: