والجمهور على أن الذين بنوا هذا المسجد الذي عرف في تاريخ السيرة بمسجد الضرار، اتساقا مع الوصف القرآني، فريق من المنافقين كانوا يقطنون في محلة قباء، وكان في الحملة مخلصون أيضا استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في بناء مسجد حيث كانت صلاته حينما جاء مهاجرا من مكة، وحيث أقام بعض الوقت، ليصلّوا فيه في أيام الشتاء والبرد والليل بسبب بعد المحلّة عن مسجده، فأذن لهم، وكان راهب عربي اسمه أبو عامر قد تلاحى مع النبي صلى الله عليه وسلم وأقسم أن يحاربه اينما وجد محاربا له، فلما انتصر المسلمون في فتح مكة ويوم حنين، تآمر مع المنافقين على أن يبنوا مسجدا في قباء ليكون مركز اجتماعاتهم، وينتظروا عودته من بلاد الروم حيث أزمع أن يذهب ليدبّر المكايد للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم ببناء مسجد مثل رفاقهم، فأذن لهم، ورجوه أن يصلي لهم فيه فوعدهم بذلك بعد عودته من غزوة تبوك.
والصورة التآمرية واضحة في الآيات وليس فيها ما لا يتّسق مع الرواية، والمروي أيضا، أن الآيات قد نزلت أثناء غزوة تبوك، وأن النبي صلى الله عليه وسلم علم وهو في الرحلة بخبث نية بناة المسجد، وقد ارسل فور عودته الى المدينة من هدمه وحرقه، ومضمون الآيات يلهم أنها نزلت في وقت كان المنافقون فيه في ضعف وضآلة شأن، إذ جاؤوا للنبي صلى الله عليه وسلم يؤكدون له حسن نياتهم.
وفي سورة محمد الآيات التالية:
{ إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26) } .