ففي هذه الآيات التي نزلت في معرض التنديد بالمنافقين والحملة عليهم وذكر مواقفهم المنكرة، صور عدة ولكنها متقاربة لتلك المواقف، فهم إذا اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فإنما يتبعونه حينما يكون السفر سهلا والخطر مأمونا، فإذا ما انعكس الحال اعتذروا بعدم الاستطاعة وأقسموا الأيمان وهم كاذبون، فيستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم بالتخلف من جهة، ويثبطون الناس عن النفرة من جهة أخرى، وكلما دعا الله رسوله الى الجهاد سارع أولو الطول والقدرة الى النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون منه أن يتركهم في المدينة، ويبدو من روح بعض الآيات أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأذن لهم تفاديا لما يعلمه من دسهم وشغبهم وتثبيطهم وأثر ذلك في المخلصين الذين كان منهم من تربطه بهم الروابط الوثيقة المتنوعة.
وفي سورة محمد الآيات التالية:
{وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (20) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ (21) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23) } .
وقد احتوت الآية الأولى وصفا بديعا وقويا لجبن المنافقين حينما كانت تنزل سورة فيها أمر حازم بالجهاد توافق رغبة المخلصين من المسلمين وفي الآيات الأخرى حملة عليهم لجبنهم، وتقطيع الأرحام وتدمير البلاد، لأن فيه تشجيعا للعدو إغراء له.
وثانيا: مواقفهم في وقائع الجهاد.
وفي سورة آل عمران الآيات التالية: