فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 76

لأن من اعتمد على الأسباب في الوصول إلى النتائج فقد أرجع إلى الأسباب فاعلية وإرادة من دون الله، وهو ما اتفقنا عليه من قبل على أنه من الشرك، وكذلك من ترك الأسباب بالكلية فقد عصى أمر الله عز وجل بالسعي في طلب الرزق وقضاء الحوائج، فإن الله -عز وجل- الذي أمر مريم أن تهز النخلة كان قادرًا على إنزال الرطب إليها في طبق من ذهب من غير تعب ولا نصب، ولكنها إرادة الله-عز وجل- وقضاؤه أن يجعل للنتائج أسبابًا.. وإن لم يكن للأسباب دور مباشر في الوصول إلى النتائج، فهل ما فعلته مريم هو الذي أنزل الرطب؟!

فمن قال:نعم.. فعليه أن يذهب هو إلى أضعف نخلة، وهو رجل قوي في تمام عافيته -وليس امرأة في المخاض- ثم ليأتنا بما تسقطه النخلة عليه من جراء هزه لها!!

إنها حقيقة وقعة، بينة واضحة، أنه لابد لمن أراد الوصول إلى النتائج أن يبذل في سبيلها من الأسباب ما أمر الله به، ثم بعد ذلك تأتي النتيجة.. لا بإرادة الأسباب.. ولا بإرادة الآخذ بالأسباب.. ولكن بإرادة مسبب الأسباب سبحانه وتعالى.

وقد قال العلماء69:"من طعن في الحركة (أي السعي وبذل الأسباب) فقد طعن في السنة، ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان".

وقالوا أيضًا:"اعمل عمل رجل لا ينجيه إلا عمله، وتوكل توكُّل رجل لا يصيبه إلا ما كُتب له". وعن أبي خزامة قال:"قلت: يا رسول الله، أرأيت رُقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئًا؟ قال: هي من قدر الله"70.

وللإمام المقدسي في كتابه (مختصر منهاج القاصدين) في ذلك الأمر كلام طيب وتفصيل جيد، ننقله باختصار لعل الله أن ينفع به.. يقول في بيان أعمال المتوكلين:71

"قد يظن بعض الناس أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن، وترك التدبير بالقلب، والسقوط على الأرض كالخرقة، وهذا ظن الجهال، فإن ذلك حرام في الشرع."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت