فهرس الكتاب
والشرع قد أثنى على المتوكلين، وإنما يظهر تأثير التوكل في حركة العبد وسعيه إلى مقاصده، وسعي العبد إما أن يكون لجلب نفع مفقود كالكسب، أو لحفظ موجود كالادخار، وإما لدفع ضرر لم ينزل، أو لإزالة ضرر قد نزل كالتداوي من المرض، فحركات العبد لا تعدو هذه الفنون الأربعة.
فأما جلب المنافع: فقد أمر الله عز وجل به في غير موضع من القرآن الكريم.. كقوله تعالى:?هو الذي جعل لكم الأرض ذلولًا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور? (الملك:15) ، وقوله تعالى:?فإذا قُضيَت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله? (الجمعة:10) .
وترك التكسب لس من التوكل في شيء.. إنما هو من فعل البطالين الذين آثروا الراحة وتعللوا بالتوكل، وقد قال عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-:"المتوكل الذي يُلقي حَبَّه في الأرض ويتوكل على الله".
وأما حفظ المنافع الموجودة بالادخار: فقد ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبيع نخل بني النضير ويحبس لأهله قوت سنتهم.
ومن وجد قوتًا حلالًا يشغله كسب مثله عن جمع همه72 .. فإن ادخاره إياه لا يُخرجه عن التوكل خصوصًا إذا كان له عائلة.
وأما مباشرة الأسباب الدافعة للضرر: كالحذر ولبس الدرع (ومثله التطعيم ضد الأمراض) فقد أمر الله عز وجل به في كتابه حيث قال:?وخذوا حِذرَكم? (النساء:102) .
وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: أعقلها (أربطها) وأتوكل أم أطلقها وأتوكل؟ فقال:"اعقلها وتوكل"73.
وأما السعي في إزالة الضرر: كمداواة المريض فقد أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه عن جابر:"أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لكل داء دواء.. فإذا أُصيب دواء الداء برئ بإذن الله"74."