فهرس الكتاب
وأمر به أمرًا صريحًا في الحديث عن أسامة قال:"قالت الأعراب: يا رسول الله أنتداوى؟ قال: نعم عباد الله.. تداووا75 فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاء إلا داء واحد، قالوا: يا رسول الله وما هو؟ قال: الهرم"76.
أما شكوى المريض فهي مُخرجة عن التوكل (إذا كان يقصد بها السخط على قضاء الله) .. إلا إذا كانت وصفًا للطبيب، وقد كان بعض السلف يصف ما به من مرض ويقول: إنما أصف قدرة الله فيَّ، وقد يصفه إلى تلميذ له ليقويه على الضراء، وقد روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم".77
والأسباب التي تتحقق بها هذه الفنون78 على ثلاث درجات:
أحدها: سبب مقطوع به: كالأسباب التي ارتبطت بها المسبَّبات-بتقدير الله تعالى ومشيئته- ارتباطًا مطَّردًا لا يختلف.. مثل تناول الطعام لإذهاب الجوع أو شرب الماء لإذهاب الظمأ.
الثاني: الأسباب غير المتيقنة.. ولكن الغالب أن المسببات لا تحصل دونها.. مثل حمل الزاد في السفر.. فإن الغالب أنه لن يجد من يطعمه ويسقيه خصوصًا إذا كان سفره إلى منطقة نائية (ومثله حمل النقود التي يشتري بها طعامه إن كان مسافرًا إلى منطقة عامرة) .
الثالث: الأسباب التي يحتمل احتمالًا ضعيفًا أن تؤدي إلى المسببات.
واعلم أن التوكل لا يكون بترك هذه الأسباب وإنما بمباشرتها.. مع العلم والحال،
فأما العلم: أن تعلم أن الله هو الذي خلق الأسباب وخلق فيك القوة على مباشرتها.
وأما الحال: أن يكون اعتمادك على فضل الله تعالى لا على قوتك ولا على الأسباب، لأن الله تعالى إن شاء حال بينك وبين الأسباب.. أو سلبك القوة التي تباشر بها الأسباب"انتهى."
فإذا تم للعبد تفويض أمره إلى الله بالكلية، ثم أخذُه بالأسباب المأمور بها في هذا الباب، ثم رضي بعد ذلك بما يقدره الله فيه، فقد استكمل بذلك شروط التوكل وأركانه في هذا العمل.