فهرس الكتاب
فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر..يوم التقى الجمعان.. جمع مهيب كبير يعج بالخيل والرجال والسلاح-هو جمع المشركين- وجمع قليل العدد ضعيف القوة فقير إلى السلاح.. يقف صلى الله عليه وسلم لا حول له ولا قوة.. فيتجه قلبه ولسانه إلى من بيده الحول والقوة.. يستغيث ربه ويبكي ويتضرع فيقول:"اللهم إن تهلِك هذه العصابة اليوم لا تُعبد..."96 ..ويظل يدعو ربه ويرفع يديه إلى السماء حتى يسقط رداؤه عن منكبيه.. عجبًا لك يا رسول الله.. تفعل ذلك كله وقد بشرك الله بالنصر؟!.. تفعل ذلك كله وقد أراك الله مصارع المشركين؟!.. تفعل ذلك كله وأنت تعلم أن الله لم يكن ليضيع دينه ودعوته حتى يُتم النور ويظهر الحق؟!.. ولكنه درس لنا-نحن المسلمين- ألا نركن إلى قوتنا طرفة عين، وألا نَدَعَ الدعاء والتضرع إلى الله مهما كانت الأسباب توحي بحُسن النتائج.. فما الأسباب والنتائج إلا بتقدير العزيز العليم.
وهذا نبي الله أيوب.. يموت أولاده جميعًا.. ويذهب ماله.. وينحل جسمه من شدة المرض.. فلا يجزع ولا ييأس من رحمة الله.. ويتجه إلى من بيده كل شيء..?أني مسَّنيَ الضُّر وأنت أرحم الراحمين? (الأنبياء:83) .. غاية الأدب في الدعاء.. يتذلل إلى الله باسم من أسمائه.. ولا يسأله كشف الضر عنه بل هو يشكو إلى ربه وهو على يقين أن الله عز وجل بكرمه سيرفع عنه شكواه من غير أن يطلب هو رفعها.. ولم يخيب الله ظنه فأجرى له ينبوعًا من الماء يغتسل منه ليُشفى ما ظهر من أمراض جسده.. ويشرب منه فيُشفى ما بطن منها.. ليس ذلك فحسب.. وإنما رد الله إليه زوجه.. ورزقه ضعفي ما كان له من الأولاد97.. بل وأكثر من ذلك.. يسَّر الله له في يمينه الذي أقسمه أن يضرب زوجه مائة ضربة.. فأمره الله أن يجمع مائة عود ويضربها بها ضربة واحدة:?وخذ بيدك ضِغثًا فاضرب به ولا تحنث، إنا وجدناه صابرًا نعم العبد إنه أواب? (ص:44) .