فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 76

وتخدعهم قوة المال.. ويحسبونها القوة المسيطرة على أقدار الناس وأقدار الحياة، ويتقدمون إليها في رَغَب ورَهَب، ويسعون للحصول عليها ليستطيلوا بها ويتسلطوا على الرقاب كما يحسبون.

وتخدعهم قوة العلم.. يحسبونها أصل القوة وأصل المال وأصل سائر القُوَى التي يصول بها من يملكها ويجول، ويتقدمون إليها خاشعين كأنهم عُبَّاد في المحاريب.

وتخدعهم هذه القوى الظاهرة، تخدعهم في أيدي الأفراد.. وفي أيدي الجماعات.. وفي أيدي الدول، فيدورون عليها كما يدور الفراش على المصباح، وكما يتهافت الفَراش على النار، وينسون القوة الوحيدة التي تخلق سائر القُوى الصغيرة وتملكها.. وتمنحها وتوجهها وتسخرها كما تريد حيثما تريد، وينسون أن الالتجاء إلى تلك القوى-سواء كانت في أيدي الأفراد أو الجماعات أو الدول- كالتجاء العنكبوت إلى بيت العنكبوت.. حشرة ضعيفة رخوة واهنة.. لا حماية لها من تكوينها الرخو.. ولا وقاية لها من بيتها الواهن، وليس هناك إلا حماية الله وإلا ركنه القوي الركين..?مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كَمَثَل العنكبوت اتخذت بيتًا، وإنَّ أوهن البيوت لَبَيْتُ العنكبوت لو كانوا يعلمون? (العنكبوت:41) .

هذه الحقيقة الضخمة هي التي عُنِيَ القرآن بتقريرها في نفوس الفئة المؤمنة، فكانت بها أقوى من جميع القوى التي وقفت في طريقها، وداست بها على كبرياء الجبابرة في الأرض، ودكت المعاقل والحصون.

لقد استقرت هذه الحقيقة الضخمة في كل نفس، وعمرت كل قلب، واختلطت بالدم وجرت معه في العروق، ولم تَعُد كلمة تقال باللسان، ولا قضية تحتاج إلى جدل، بل بدهية مستقرة في النفوس لا يجول غيرها في حس ولا خيال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت