فهرس الكتاب
ومن عجائب هذا الذكر العظيم ما رواه آدم بن أبي إياس في تفسيره عن محمد بن إسحاق قال:"جاء مالك الأشجعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أُسر ابني عوف، فقال له: أرسل إليه أن رسول الله يأمرك أن تُكثر من قول"لا حول ولا قوة إلا بالله"، فأتاه الرسول فأخبره، فأكب عوف يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وكانوا قد شدوه بالقيدِّ فسقط القيد عنه، فخرج فإذا هو بناقة لهم فركبها، فأقبل فإذا هو بسَرَح105 القوم الذين كانوا شدوه، فصاح بهم فاتَّبع آخرها أولها، فلم يفجأ أبويه إلا وهو ينادي بالباب، فقال أبوه: عوف ورب الكعبة، فاستبق الأب والخادم إليه فإذا عوف قد ملأ الفناء إبلًا، فقص على أبيه أمره وأمر الإبل، فأتى أبوه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بخبر عوف وخبر الإبل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:اصنع بها ما أحببت وما كنت صانعًا بإبلك، ونزل قوله تعالى:?ومن يتق الله يجعل له مخرجًا? ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكل على الله فهو حسبه? (الطلاق:2-3) .106"
ومن روائع الأستاذ سيد قطب- رحمه الله- ما قاله حول هذا الذكر العظيم.. فلنعش معه قليلًا ولنستلهم منه الدروس والعبر.
يقول الأستاذ سيد قطب- رحمه الله-:107
"إن القوة والقهر والسلطان هي من خصائص الألوهية، وموجبات العبادة والعبودية، وأولى مراتب الإيمان: الاعتقاد والإيمان بأن الحول والقوة كلها لله، وأن لا حول ولا قوة إلا بالله108."
وإن حقيقة القوى في الوجود كثيرًا ما يغفل الناس عنها،فيسوء تقديرهم لجميع القيم ويفسد تصورهم لجميع الارتباطات، وتختل في أيديهم جميع الموازين، ولا يعرفون إلى أين يتوجهون.. وماذا يأخذون ماذا يدَعون؟!.. وعندئذٍ تخدعهم قوة الحكم والسلطان.. يحسبونها القوة القادرة التي تعمل في هذه الأرض، فيتوجهون إليها بمخاوفهم ورغائبهم، ويخشونها ويفزعون منها، ويترضونها ليَكُفُّوا عن أنفسهم أذاها، أو يضمنوا لأنفسهم حماها.