إن من المهم لمثل هؤلاء الدعاة أن يعرفوا أن المعانى المهمة ليست هى الجديدة فقط ، والتى يحرص المحاضرون على اختيارها ، بل تكمن أيضًا في اكتشاف أسباب ظواهر معروفة ، وتحليل أمر مجمل إلى جزئياته ، وبيان الفروق بين أمرين معلومين ، وبيان وجوه التشابه ، واكتشاف علاقة بين ظاهرتين معروفتين قد كان يظن الظان أن لا علاقة بينهما .
إن الترف في التدريس يجعل التلامذة أهل حرص على النتائج الموضوعية فقط دون جذورها وضوابطها وأسبابها وشروطها ، ويصبحون أصحاب علم غير مبرمج ولا منهجى ، بل حصيلتهم شتات وأكداس متنوعة ، مسموعة أكثر مما هى مقروءة بتتابع ، ويصير احتفالهم بالمحاضرات وبفقه الدعوة وبما يطبع لهم مستندًا على عاطفة وتجاوب روحى أكثر من ابتنائه على معاناة وتفاعل علمى وتأملى ، ويكون لهم سمت اتكالى في التفكير ، يبعدون معه عن هذه الأصالة المطلوبة .
وعلاج هذه السلبيات إنما يكون بتكثيف المطالعة الشخصية المنهجية المتدرجة ، في أبواب الفقه والتاريخ والاقتصاد والسياسة ، ولا ينهض الانشغال الكثير بيوميات العمل الحركى عذرًا لتقليل هذه المطالعات ، فإن مصالح الدعوة مجتمعة ، وكما أن مصلحتها واضحة في زيادة النشاط ، فإن مصلحتها أوضح في الارتفاع بالمستوى الثقافى الفكرى لدعاتها ، ولا بأس من تحديد حجم بعض من التهام الكتب .
(القاعدة الثانية) : ترجيح تنفيذ متطلبات العمل الحركى على المساهمة في تجديد الاجتهاد الفقهى:
فإن من أهم جوانب التكيف أن نعرف نسبة مراحل الدعوة مجتمعة إلى مرحلية أخرى أوسع ، ذلك أن هذه المراحل الثلاث المذكورة أن هى إلا أجزاء المرحلة الأولى من سير الدعوة إلى غايتها وهى مرحلة العمل للوصول إلى الحكم الإسلامى ، وستتلوها مرحلة ثانية هى المرحلة التطبيقية ، وصنع نموذج الدولة الإسلامية .