بل ربما تؤدى الضغوط النفسية التى يتعرض لها بعض الدعاة العاملين في بلاد يسودها الإرهاب إلى أن يفكروا بما هون أبعد من هذين التقليدين ، وتستبد بهم خيالات بناء قرى إسلامية تكون نموذجًا للحياة الإسلامية ، ما هم بقادرين على إنجازها مهما صغرت ، في ظل الظلم المخيم على جميع أجزاء العالم الإسلامى بلا استثناء ، فضلًا عن تأدية هذه القرى إلى انعزال الدعاة وانقطاع تفاعلهم اليومى مع المجتمع من خلال انبثاثهم وانشارهم فيه .
فإذا كانت هاتان الصيغتان من التقليد يحوطهما العيب لمجرد اختلاف المرحلة الخططية أو الظروف المحيطة ، فإن تقليد الأحزاب الكافرة في أساليبها أكثر بعدًا عن الصواب وأولى أن نربأ بأنفسنا عنه بل يجب أن ننقد أساليبها بمعيار شرعى من قبل دعاة فقهاء يعلمون حدود الحلال والحرام والشبهات ، ولا نقتبس منها إلا ما لا بأس به شرعًا أو أمكن تخريجه على أحكام مراعاة المصالح واستثناء الضرورات .
وكما يعيب التقليد الأصالة التخطيطية يعيب الأصالة الفكرية الاجتهادية أيضًا ، وتضمر قابلية الاستنباط المفترضة لدى الداعية ، وتبرز هذه الظاهرة في بعض البلاد التى تعتمد في تثقيف دعاتها على من يزورهم من خارج ويتكلم لهم ، وهى خطة مفيدة ، لكنها تولد معها ظاهرة سلبية تعدل الفوائد ، فإن دعاة ذلك البلد يصبحون أقل مطالعة وأقل وعيًا للكلام الجاد الذى يفتقد الصنعة البلاغية والجمالية التى يحرص عليها الماضر الزائر ، ويصبحون مقلدين يسمعون فقط لا يعرفون الاجتهاد والإبداع إلا قليلًا ، ولا يفهمون الكثير من الدروس التجريبية التى تأتى على لسان قدماء الدعاء ، فيزهدون بها.