قلت: نعم، فقال: (ادخلوا ولا تضاغطوا) . فجعل يكسر الخبز، ويجعل عليه اللحم، ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع، فلم يزل يكسر الخبز، ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية، قال: كلي هذا وأهدي، فإن الناس أصابتهم مجاعة) [1] .
فبينما يدعوه جابر رضى الله عنه أن يأتى بيته للطعام وحده أو مع بعض أصحابه، نجد النبى / يخبر أصحابه أجمعين من المهاجرين والأنصار بما أعده لهم صاحبهم، فيذهبون لبيته ليتناولوا الطعام بعد الكد والجوع، فقام رسول الله / وعجن لهم العجين، فكانت البركة من رب العالمين، فما قام منهم من أحد إلا وهو من الجوع بمنأى، وقد كانت هذه الواقعة معجزة من معجزات النبى / إذ كثر الطعام بين يديه حتى أكل منها هذا الجم الغفير من الصحابة.
ثالثًا: أخلاق النبى وأصحابه سلاح للذب عن الطعن فيهم
لا بد لكل ذى عقل رشيد يرى كل هذه الأدلة السالفة أن يسأل نفسه سؤالًا لكى يعلم الحق وأهله، ويدفع شبهات أهل الباطل:
هل هؤلاء النفر هم من يطمعون في الدنيا وزخارفها؟!
فلعل فيما ذكرنا رد على من يطعن فيهم بأنهم ما يريدون إلا عرضًا من الحياة الدنيا، فلو كانت الدنيا أكبر همهم والمراد من سعيهم فَلِمَ يؤثر الرجل أخاه على نفسه؟! فإن ميدان الحرب والجهاد أمرٌ شاقٌ، وهؤلاء نَفَرٌ يتناوبون على البعير الواحد ويأكلون أوراق الشجر ويبذلون دمائهم وأموالهم من أجل نصرة هذا الدين، فهم حقًا الصحبة وخير من اختار الله عز وجل لنبيه /.
فهم يُعَلِمُونَ من أتي من بعدهم الإيثار لنصرة هذا الدين، والتضحية بأنفسم وأموالهم وكل ما لديهم في سبيل إعلاء راية لا إله إلا الله.
أَفَيُعقًلُ أن يَبْذُلَ المرءُ حياته التى يعيشها، وماله الذى بين يديه، في سبيل بعض المال الذى قد يتحقق مع احتمال قائم بإزهاق روحه؟!
إن هذا مما تأباه العقول أن تكون هذه هى الغاية والمراد، لا بد أن تكون الغاية أعظم وأجل من التضحيات المبذولة في سبيلها، وإلا لكان من الحماقة والسفه الإقدام على مثل هذا، فكيف يُقدِمُ المرءُ على ما فيه خسارته وإزهاق روحه؟!
بل كيف يُقدِمُ المرءُ على ما فيه إزهاق روحه دون مقابل؟!
بل وأى مقابل يكفي المرء في سبيل موته، وهو يعيش في رغد لا يحتاج لمال؟!
(1) (( أخرجه الإمام البخارى في صحيحه كتاب المغازى باب غزوة الخندق وهى الأحزاب(4101)