معالجة داء الحسد:
فإن قيل: قد ذكرت من صريح الآثار وصحيح الأخبار ما ينفِّر عن الحسد ويبعد عنه كلَّ أحد، لكن الحسد مرض باطني، فكيف السبيل إلى زواله؟
فالجواب: إن الآدمي قد جُبِل على حبِّ الرفعة، فلا يحب أن يعلو عليه أحد في نعمة من نِعَم الدنيا، فإذا علاَ أحد عليه شقَّ عليه وأحب زوال ما علا به.
ومعالجة ذلك تارةً بالزهد في الدنيا، وأنها لا تعدل عند الله جناح بعوضة، فلا وجه للمنافسة فيها عند العقلاء، وتارةً بالرضا بالقضاء؛ فإنك إن لم ترضَ لم تحصل إلا على الندم وفوات الثواب، وغضب رب الأرباب، فهما مصيبتان أو أكثر، وليس للعاقل حيلة في دفع القضاء فعليه بالرضا.
مَا لِي عَلَى مُرِّ القَضَا ... مِنْ حِيلَةٍ غَيٍرِ الرِّضَا
أَنَا فِي الهَوَى عَبْدٌ وَمَا ... لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَعَرَّضَا
وتارةً في النظر فيما يتعلق بتلك النِّعَم من الآفات، فإذا لم يعمل بمقتضى ما في النفس ولم ينطق، لم يضرَّه ما وضع في الطبع.
فالحسد أولًا يضرُّ الحاسد في الدين والدنيا، ولا يستضر بذلك المحسود، فلا تؤذِ نفسك.
أما ضرره في الدين، فإن الحاسد قد سخط قضاءَ الله - تعالى - فكَرِه نعمته على عباده، وهذا قذًى في بصر الإيمان، ويكفيه أنه شارَك إبليس في الحسد وفارَق الأنبياء في حبِّهم الخير لكلِّ أحد.
وقال عبدالله بن مسعود: لا تعادوا نِعَم الله، فقيل له: ومَن يعادي نِعَم الله؟! قال: الذين يحسُدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، ثم إن الحسد يحمل على إطلاق اللسان في المحسود بالشتم والتحايل على أذاه.
وأما ضرره في الدنيا، فإن الحاسد يتألم ولا يزال في كَمَدٍ، وأنشدوا:
دَعِ الحَسُودَ وَمَا يَلْقَاهُ مِنْ كَمَدِهْ ... كَفَاكَ مِنْهُ لَهِيبُ النَّارِ فِي جَسَدِهْ