الصفحة 17 من 22

كافيه فلا مَطْمَع فيه لعدوٍّ، ولو توكَّل العبد على الله حقَّ توكُّله، ولو كادت له السموات والأرض ومَن فيهن، لجعل له مخرجًا من ذلك، وكفاه ونصره.

السبب الخامس: فراغ القلب من الاشتغال به والفكر فيه، وأن يقصد أن يمحوَه من باله كلَّما خطر له، فلا يلتفت إليه، ولا يخافه، ولا يملأ قلبه بالفكر فيه، وهذا من أنفع الأدوية وأقوى الأسباب المُعِينة على اندفاع شرِّه، فإن هذا بمنزلة مَن يطلبه عدوُّه ليمسكه ويؤذيه، فإذا لم يتعرَّض له ولا تماسك هو وإياه، بل انعزل عنه، لم يقدر عليه، فإذا تماسَكَا وتعلَّق كلٌّ منهما بصاحبه، حصل الشر، وهكذا الأرواح سواء، فإذا تعلقت كلُّ روح منهما بالأخرى، عُدِم القرار ودام الشر حتى يهلك أحدهما، فإذا جذب روحه عنه وصانها عن الفكر فيه والتعلُّق به، وأخذ يشغل باله بما هو أنفع له - بقي الحاسد الباغي يأكل بعضه بعضًا، فإن الحسد كالنار، إذا لم تجد ما تأكله أكل بعضها بعضًا.

السبب السادس: الإقبال على الله والإخلاص له، وجعل محبته ونيل رضاه والإنابة إليه في كل خواطر نفسه وأمانيها، تدبُّ فيها دبيب تلك الخواطر شيئًا فشيئًا حتى يقهرها ويغمرها ويذهبها بالكلية، فتبقى خواطره وهواجسه وأمانيه كلها في محابِّ الربِّ والتقرُّب إليه وذكره والثناء عليه؛ قال - تعالى - عن عدوِّه إبليس أنه قال: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 82 - 83] ، فالمخلص بمثابة مَن آوَى إلى حصن حصين، لا خوف على مَن تحصَّن به، ولا ضيعة على مَن آوَى إليه، ولا مطمع للعدوِّ في الدنوِّ منه.

السبب السابع: تجريد التوبة إلى الله من الذنوب التي سلَّطت عليه أعداءه؛ فإن الله - تعالى - يقول: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30] ، فما سُلِّط على العبد مَن يؤذيه إلا بذنب، يعلمه أو لا يعلمه، وما لا يعلمه العبد من ذنوبه أضعاف ما يعلمه منها، وما ينساه مما علمه وعمله أضعاف ما يذكره.

وفي الدعاء المشهور: (( اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم ) )؛ رواه البخاري في"الأدب المفرد"، فما يحتاج العبد إلى الاستغفار منه مما لا يعلمه أضعاف أضعاف ما يعلمه، فما سُلِّط عليه مؤذٍ إلا بذنب، وليس في الوجود شرٌّ إلا الذنوب وموجباتها، فإذا عُوفِي من الذنوب عُوفِي من مُوجِباتها، فليس للعبد إذا بُغِي عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت