الخاتمة
لا تكن حسودًا:
ليكن ممَّا تصرف به الأذى والعذاب عن نفسك ألا تكون حسودًا؛ فإن الحسد خلق لئيم، ومن لؤمه أنه مُوَكَّل بالأدنى فالأدنى من الأقارب والأكْفَاء والمعارف، والخُلَطاء والإخوان، فليكن ما تُعامِل به الحسد أن تعلم أن خير ما تكون حين تكون مع مَن هو خيرٌ منك، وأن غنمًا حسنًا لك أن يكون عَشِيرك وخَلِيطك أفضلَ منك في العلم، فتقتبس من علمه، وأفضل منك في القوة فيدفع عنك بقوته، وأفضل منك في المال فتفيد من ماله، وأفضل منك في الجاه فتصيب حاجتك بجاهه، وأفضل منك في الدين فتزداد صلاحًا بصلاحه.
ولكن الطباع خسَّت، حتى في الحسد أيضًا، كان الناس قديمًا إذا حسدوا رجلًا على يساره، حرصوا على كسب المال حتى يصيروا مثله، وإذا حسدوا على علمه تعلموا حتى يضاهوه، وإذا حسدوا على جوده بذلوا حتى يقال: إنهم أكرم منه، فالآن لما ضعفت الطبائع، وصغرت النفوس، وعجزوا أن يجعلوا أنفسهم مثل من حسدوه في المعنى الذي حسدوه عليه - عدلوا إلى تنقُّص المبرز، فإن كان فقيرًا شنَّعوا على فقره، وإن كان عالمًا خطَّؤوه، وإن كان جوادًا قالوا: هذا مُتاجِر بجوده وبخَّلوه، وإن كان فعَّالًا للخير، قالوا: هذا مراء.
وخير الإخوان مَن إذا عظَّمته صانك، ولا يعيب أخاه على الزلَّة؛ فإنه شريكه في الطبيعة، بل يصفح ويتنكَّب محاسدة الإخوان؛ لأن الحسد للصديق من سقم المودة، كما أن الجود بالمودة أعظم البذل؛ لأنه لا يظهر ودٌّ صحيح من قلب سقيم.
فالعاقل يكون على إماتة الحسد بما قدر عليه أحرص منه على تربيته، ولا يجد لإماتته دواء أنفع من البعاد؛ فإن الحاسد ليس يحسدك على عيبٍ فيك ولا على خيانة ظهرت منك، ولكن يحسدك بما ركب فيه من ضدِّ الرضا بالقضاء؛ كما قال العتبي:
أُفَكِّرُ مَا ذَنْبِي إِلَيْكَ فَلاَ أَرَى = لِنَفْسِيَ جُرْمًا غَيْرَ أَنَّكَ حَاسِدُ