فإن الحسد عقوبةٌ موجبة للحاسد بما يناله منه ويشينه؛ من عصيان ربه، واستصغار نعمته، والسخط لقدره، مع الكرب اللازم والحزن الدائم، والتنفُّس صعدًا، والتشاغل بما لا يُدرَك ولا يحصى.
ولو سلم المخذول قلبه من الحسد، لكان من الإسلام بمكان، ومن السؤدد في ارتفاع، فوضعه الله لحسده، وأظهر نفاقه، قال محمود الوراق:
أَعْطَيْتُ كُلَّ النَّاسِ مِنْ نَفْسِي الرِّضَا ... إِلاَّ الحَسُودَ فَإِنَّهُ أَعْيَانِي
لاَ أَنَّ لِي ذَنْبًا لَدَيْهِ عَلِمْتُهُ ... إِلاَّ تَظَاهُرَ نِعْمَةِ الرَّحْمَن
يَطْوِي عَلَى حَنَقٍ حَشَاهُ لِأَن رَأَى ... عِنْدِي كَمَالَ غِنًى وَفَضْلَ بَيَان
مَا إِنْ أَرَى يُرْضِيهِ إِلاَّ ذِلَّتِي ... وَذَهَابُ أَمْوَالِي وَقَطْعُ لِسَانِي
وذكر الباري - جل جلاله - في كتابه أهل الجنة، وما منَّ به عليهم من السرور والكرامة عندما دخلوها وبوَّأها لهم فقال: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ * وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ} [الحجر: 45 - 48] .
فما أنزلهم دار كرامته إلا بعد ما نزع الغلَّ والحسد من قلوبهم، فتهنَّوا بالجنة، وقابلوا إخوانهم على السرر، وتلذَّذوا بالنظر في مقابلة الوجوه؛ لسلامة صدورهم، ونزْع الغلِّ من قلوبهم، ولو لم ينزع ذلك من صدورهم ويخرجه من قلوبهم، لافتقدوا لذة الجنة، وتدابروا وتقاطعوا وتحاسدوا، وواقعوا الخطيئة، ولمسَّهم فيها النصب، وأعقبوا منها الخروج؛ لأنه - عز وجل - فاضَل بينهم في المنازل.
وما أرى السلامة إلا في قطع الحاسد، ولا السرور إلا في افتقاد وجهه، ولا الراحة إلا في الإعراض عن مداراته، ولا الربح إلا في ترك مصافاته، فإذا فعلت ذلك، فكُلْ هنيًّا مريًّا، ونَمْ رضيًّا، وعِشْ في السرور مليًّا.
ونحن نسأل الله الجليل أن يصفِّي كدَر قلوبنا، ويجنِّبنا وإياكم دناءة الأخلاق، ويرزقنا وإياكم حسن الإلفة والاتِّفاق، ويحسن توفيقنا وتسديدنا، والسلام.