فهرس الكتاب
فوائد متنوعة
اعلم أن الدين شطران أحدهما: ترك المناهي والآخر: فعل الطاعات، وترك المناهي هو الأشد فإن الطاعات يقدر عليها كل أحد وترك الشهوات لا يقدر عليها إلا الصديقون ولذلك المهاجر من هجر ما نهى الله عنه والمجاهد من جاهد نفسه وهواه.
واعلم أنك إنما تعصي الله بجوارحك وإنما هي نعمة من الله عليك وأمانة عندك فاستعانتك بنعمة الله على معصيته كفر للنعمة وخيانة في أمانةٍ أودعك الله إياها.
فأعضاؤك تحت رعايتك فانظر كيف ترعاها فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته وأعضاؤك ستشهد عليك يوم القيامة» .
ثم اعلم أن من أمهات المعاملة ما يلي:
الأولى: معاملة الله تبارك وتعالى وهي بالالتجاء إليه ورؤية أن لا سواه وأن يكون العمل كله خالصًا له ولا طريق سوى الاعتراف بالعجز عن بلوغ أداء ما يستحقه جل وعلا وتقدس.
وليحذر العبد أن يفقده الله حيث أمره أو يراه حيث نهاه وليثق به غاية الثقة لا بغيره فمن عامله جل وعلا ربح وأفلح ورشد وأصلح.
الثانية: معاملة النفس الأمارة بالسوء وذلك منعها عن هواها، قال الله جل وعلا {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} .
وإذلالها ورد جماحها بالطاعة وكسرها فإنها في الحقيقة أكبر الأعداء وذلك بأن ينظر في القلب فيطهره من الأخلاق المذمومة كالرياء والكبر والحسد والعجب.
والبخل والحرص والطمع والمكر والخديعة والغش وحب الثناء والولوع بالشهوات ومحبة الدنيا والغفلة عن الآخرة وغير ذلك من الغرائز المذمومة.
وبأن يغرس فيه الإخلاص والتواضع والنصيحة والشفقة وحسن الخلق والتهاون بالذم؛ لأن الذي يذمك يهدي لك الحسنات.
فلا ينبغي لك أن تأنف من المذمة بل افرح بها إنما يأنف منها الرجل المتكبر المتعاظم في نفسه الجاهل بأسوائه وإنما مثله كمثل الكناس للقاذورات إذا قيل: إنك متلطخ بالنجاسة فاغسلها فاستعظم ما قيل له واشمأز وأنف منه وغضب على القائل.