الصفحة 133 من 145

فصل

كتب المنصور إلى جعفر الصادق يقول له: ألا تزورنا كما يزورنا الناس، فأجابه: ليس لنا من الدنيا ما نخافك عليه، ولا عندك من الآخرة ما نرجوه منك، ولا أنت بنعمة فنهنيك بها، ولا في نقمة فنعزيك.

فكتب إليه المنصور: تصحبنا لتنصحنا فقال: من يطلب الدنيا لا ينصحك، ومن يطلب الآخرة لا يصحبك.

شكى عامل لعمر بن عبد العزيز كثرة العمل وأنه يسهر الليل لذلك، فكتب عمر إليه يا أخي أذكر طول سهر أهل النار مع خلود الأبد.

وإياك أن ينصرف بك العمل عن الله فيكون آخر العهد بك وانقطاع الرجاء منك، فلما قرأ الكتاب قدم على عمر، وقال خلعت قلبي بكتابك لا أعود إلى ولاية حتى ألقى الله عز وجل.

مر أحد الناس بجماعة يترامون بالنبل ورجل جالس بعيدًا عنهم، فأراد أن يكلمه، فقال: ذكر الله أشهى علي، فقال له: أنت وحدك في هذا. فقال: معي ربي جل وعلا وملكاي.

فقال له: من سبق من هؤلاء؟ فقال: من غفر الله له ذنوبه، فقال له: أين الطريق؟ فأشار بيده إلى السماء، وقال: ومشى، وقال: يا رب أكثر خلقك مشغول عنك.

قيل: إنه مرض يعقوب بن ليث مرضًا أعيا الأطباء فاستنجد بسهل بن عبد الله الزاهد، وقال له: ادع الله لي أن يشفيني.

فقال: كيف يستجاب دعائي لك والمظلومون ما فرج عنهم فأطلق الأمير المظلومين فقال سهل: اللهم كما أريته ذل المعصية فأره عز الطاعة وفرج عنه فقيل: إنه عوفي بإذن الله فعرض على سهل مالا فرفضه وقال: لا حاجة لي فيه، وهذا من رقم (1) في الزهد.

حبس بعض الملوك شخصًا ظلمًا بضع سنين فلما حضرت الوفاة المظلوم المسجون كتب رقعة.

وقال للسجان: إذا أنا مت فأوصل هذه الرقعة إلى الملك فمات الرجل.

وإذا مكتوب في الرقعة: أيها الغافل إن الخصم قد تقدم، والمدعي عليه بالأثر والمنادي جبريل، والقاضي الذي سيحكم بيننا لا يحتاج إلى بينة؛ لأنه أحاط بكل شيء علمًا، وهو أحكم الحاكمين وأعدل العادلين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت