فهرس الكتاب
فصل
البخيل يستعجل الفقر الذي هرب منه ويفوته الغنى الذي هو يطلبه فيعيش في الدنيا عيش الفقراء ويحاسب حساب الأغنياء.
البخيل هو الرجل الوحيد الذي يستبشر ورثته بمرضه وموته.
لا تغتر بالمال وإن كثر فالآفات كثيرة وربما يكون في كثرته هلاكك.
كان إبراهيم بن أدهم ولي عهد في إيران فترك المملكة واشتغل بالعبادة بدمشق وعمل حارسًا في بستان ليكسب عيشه من الحلال.
وفي يوم أتى إليه وكيله لما كان في الإمارة وقدم إليه ثلاثين ألف درهم وقال له: توفي عبد لك في إيران وخلف هذه الدراهم فأتيت بها إليك فقال: لا حاجة لي بها.
قال: فماذا أعمل بها؟ قال: خذ لك عشرة آلاف وأعط صاحب البستان عشرة آلاف. وأنفق على فقراء إيران عشرة آلاف.
هكذا كانوا يخافون الغنى كما يخاف الناس من الفقر.
سئل ابن مرثد ما لك لا تجف عينك من البكاء؟ فقال: إن الله توعدني إن أنا عصيته أن يسجنني في النار والله لو لم يتوعدني إلا أن يسجنني في الحمام لكنت حريا ألا تجف عيني من البكاء.
وسئل إبراهيم بن أدم فقيل له: لما لا تخالط الناس؟ فقال: إن صحبت من هو دوني آذاني بجهله وإن صحبت من فوقي تكبر علي وإن صحبت من هو مثلي حسدني فاشتغلت بمن ليس في صحبته ملال ولا في وصله انقطاع ولا في الأنس به وحشة.
مصاحبة الأحمق الجاهل كمصاحبة الحية لا تدري متى تلدغك:
مَاْلِي أِرِى الشَّمَعَ يَبْكِي فِيْ مَوَاقِدِهِ ... مِنْ حُرْقِةِ النَّارِ أَمْ مِنْ فُرِقْةِ العَسَل
مَن لاَ تُجَانِسَهُ اِحْذَرْ تُجَالسَهُ ... مَا ضَرَّ بالشَّمْعِ إِلاَّ صُحْبَةُ الفَتَل
لأن الفتيلة من قطن أو نحوه والشمع من دهن أو نحوه فهما متباينان بعيد أحدهما عن الآخر فلهذا احترق الشمع لما صاحبته الفتيلة وكذلك الأحمق بعيد عن العاقل في المعنى فلا ينبغي له صحبته والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.