الصفحة 22 من 145

المرء جديرًا بأن لا يعمل من أعمالها شيئًا، فإن من لا يثق بالحياة لحظة كيف يتعب نفسه ويسهر ليله في محاولة أمور يفتقر إليها من شأنه أن يخلد والله أعلم.

ومثال حال الإنسان في تيقنه أنه يسهى كل يوم وليلة مرحلتين إلى الموت مع غفلته عن الاهتمام به والانزعاج لأجله حال رجل أذنب إلى ملك ذنبًا عظيمًا يوجب قتله، فأمر الملك بإحضاره لذلك من مسافة بعيدة.

وقد رأى السيف مسلولًا أمامه وشاهد من استعد لقتله، فسار به المأمورون بإحضاره وهم يطعنونه في جوانبه بالشوك والمناخيس والمفاك والسكاكين أو نحو ذلك.

ولا يسلم منها إلا ما اتقاه بترس أو نحوه مما يحول بينها وبين جسده، وما لم يتقه آلمه وأقلقه فصار مشغولًا مستغرق الذهن باتقاء تلك المطاعن عن اهتمامه بما هو ساع إليه من ضرب عنقه، وهان عليه ما هو ذاهب إليه في جنب ما قد صار فيه.

وأما لو قطع مواد ما شغله عن الاهتمام بالموت من تلك المذكورة الممثلة بما يلحق المقدم للقتل في طريقه ليفرغ قلبه لإدراك هم الموت وما بعده لاشتغل به واستغرق في ذلك وسعه وجهده.

فليستعن العبد على ذلك بما ورد في الحديث من الحث على ذكر الموت وقصر الأمل مثل حديث: «أكثروا ذكر هاذم اللذات فإنه ما كان في كثير إلا قلله ولا قليل إلا كثره» .

ولما كان الموت حتميًا لا بد منه لكل مخلوق على وجه الأرض فلا بد من تذكره دائمًا وأبدًا، ففي تذكره محاسبة النفس على ما قدمت من خير وشر فإن قدمت خيرًا فذكر الموت يريحها ويحثها على التزود من الأعمال الصالحة والابتعاد عن كل شر وإن فرطت وأهملت واستمريت على فعل المعاصي والشرور فذكر الموت يردعها عن غيها وطغيانها ويحول بينها وبين عبثها فإذا تيقن كل إنسان أن الموت لا بد وأن يأتيه وهذا أمر لا خلاف فيه قال الله جل وعلا وتقدس {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} .

وقال الشاعر:

فَهُنَّ المَنَايَا أيَّ وَادٍ حَلَلْنَهُ ... عَلَيها القُدُوْمُ أوْ عَلَيْكَ سَتَقْدَمُ

آخر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت